من ذاكرة مناضل…
ناصر (ابو عليوي)
عزام مكي
(هناك أناس كحامل المسك صحبتهم شرف ورفقتهم اعتزاز والتواصل معهم حق ونسيانهم محال ودعاء لهم واجب ومن الواجب لهم علينا أن نتذكرهم)
هذا ما بدأ حديثه به الصديق العزيز موسى محسن (ابو لينا). وكان يعني به احد النشامى من الوطنيين من ابناء شعبنا العراقي وهو (ناصر ابو عليوي). والملفت وقد لايكون غريبا ان (ابوعليوي) لم يكن سوى سجان في احد السجون التابعة لوزارة الداخلية العراقية. وليس هذا فحسب وانما كان مسؤول عن زنزانات الاعدام و(المحجر) في قسم الاحكام الثقيلة حيث يتم معاقبة بعض السجناء بحجرهم فيه.
وقبل الحديث عن عن هذا الوطني (ابوعليوي) علينا ان نتذكر الظروف السياسية التي خيمت على العراق خاصة أواخر السبعينات من القرن الماضي وبالخصوص مع بداية 1976. حيث شهدت هذه الفترة تصاعد في الهجمة البربرية التي شنها النظام البعثي في العراق والتي خص بها بشكل اساس الحزب الشيوعي. ومن اهم مظاهر هذه الهجمة هي اعتقال العديد من منتسبي وزارة الداخلية والجيش ومن ضمنهم المكلفين بالخدمة العسكرية الالزامية. بتهمة القيام بنشاط تنظيمي شيوعي داخل صفوف القوات المسلحة. وحسب القانون الذي وضعه نظام البعث تم الحكم بالاعدام على المعتقلين على اساس قيامهم بايجاد تنظيم حزبي شيوعي بين افراد القوات المسلحة. مع العلم بان الحزب الشيوعي العراقي قد وافق بناء على الاتفاق مع حزب البعث على عدم القيام باي نشاط تنظيمي داخل صفوف القوات المسلحة وانه تعهد بقطع الصلات التنظيمية مع اعضائه من الذين دخلوا الخدمة العسكرية الالزامية كما عليهم ان لا يمارسوا اي نشاط سياسي في حياتهم المدنية.
ويخبرني صاحبي (ابو لينا) بان من ضمن المعتقلين كان لاعب كرة القدم الشهيد الشيوعي بشار رشيد. امتاز هذا الشيوعي باخلاقه العالية وشجاعته مما اثر على علاقاته الاجتماعية بشكل ايجابي فكان بحق شخصية جماهيرية مؤثرة. ومكنت له هذه السجايا ان يكون له تأثير حتى على السجانيين ومن ضمنهم السجان (ابو عليوي). حيث تكونت علاقة ابوية بين ابو عليوي وبشار وبقية المحكومين بالاعدام والمؤبد. وكان ابو عليوي مسؤولا عن جلب بشار الى مستوصف الاحكام الثقيلة في حالات المرض. وكثيرا ما كانت بحجة المرض ( اي متمارض) فقط ليلتقي بنا ونتبادل الحديث معه. وهنا وعندما يشاهد بوعليوي جلاوزة الامن قادمين (يستمر ابولينا بالقول) يتظاهر بضربنا بالصوندة التي معه قائلا : (بالعجل اجونه السرسرية).
وكانت القاعدة في لجان التحقيق ان يقر المحكوم بانه محكوم بتهمة التخريب وليس بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي. فاذا اصر المعتقل بان تهمته التي حكم عليه بموجبها هي كونه شيوعيا، تبدأ حفلة التعذيب كما يتذكر الصديق ابو لينا، ليؤخذ بعد ذلك الى المحجر. والمحجر غرفة ضيقة بدون شباك ولا سرير ولا فراش للنوم انما مفروشة بالإسمنت.
ويتذكر الصديق ابولينا أنه وفي ساعه متأخره من ليل شتاء بارد يأتي الحرس وينادي على موسى محسن (هكذا يأتيه ابوعليوي يطلبه الى التحقيق) بانه مطلوب للجنة التحقيق. وهناك طرح عليه السؤال المعتاد (ليش محكوم؟) وكانت اجابته المعتادة “باني محكوم لكوني شيوعي” فتبدأ حفلة التعذيب والاهانات والسحل ليطلبوا منه ان يقول انه مخرب وينتهي الموضوع. وبعد انتهاء التعذيب وفقداني القدرة على الوقوف يطلبون من ابو عليوي ان يأخذني الى المحجر. وبعد فترة قصيرة يأتي ابو عليوي مرة ثانية ليقول انهم يريدونك مرة ثانية. وهناك تعاد حفلة التعذيب لرفضي الاقرار بان تهمتي هي التخريب. وأخرج من هذه الحفلة متكأ على كتف ابو عليوي ليأخذني الى المحجر وقبل ان يغلق الباب يسألني كيف كان جوابك عليهم في الاخير (هل استسلمت لطلبهم بانك محكوم بتهمة التخريب) فاجبته بصعوبة بان اجابتي هي اني محكوم كوني شيوعي ولست مخربا، فيجيبه ابوعليوي مفتخرا (والله انت بطل شجاع ما تخاف).. ليأتي اليه بعد قليل بفراش ووسادة ينام عليها اتقاءا من البرد في المحجر البارد وكأنه كان يعبرعن تعاطفه وافتخاره لهذا الموقف رغم المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها اذا ما يتم معرفة جلاوزة الامن بذلك.
………………..
2026-07-26