هل نسير في طريق الحرب؟
سعادة مصطفى أرشيد*
أما وقد أصبحت العقيدة السياسية للحكومة (الإسرائيلية) ورئيسها يريان في الحرب هدفاً بحدّ ذاتها وليست غاية أو وسيلة، وأنّ هذه الحرب التي تعتمد آلات القتل والدمار في غزة ولبنان وتعتمد على إشعال نار المذهبية والمناطقية في الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في حوران والجبل وحوض اليرموك وجبل الشيخ بُعيد سقوط النظام السابق في دمشق وتعتمد على الاستيطان بأكثر أشكاله وحشية في الضفة الغربيّة وعلى المستوطنين الذين يمثلون ميليشيا منفلتة ولكن “شرعيّة”، ولها مرجعيات حكومية رسمية تعمل رديفاً في بعض الأحوال وبديلاً في أحوال أخرى لجيش الاحتلال. وهي تعلن صراحة عن خططها لتهجير الفلسطينيين.
ولكن هذا بدوره ليس منفصلاً عن السياسة الأميركيّة العامة لكل من الديمقراطيّين والجمهوريّين على حدّ سواء، وإن كان قد أخذ شكلاً أكثر حدة ووضوحاً في عهد الإدارة الحاليّة الخارجة في مظهرها عن مألوف السياسة والدبلوماسية. فالسياسات الأميركيّة العامة عادت لترى أن التمركز العسكريّ الأميركيّ المباشر ليس بقادر وحده على تحقيق الأهداف الأميركيّة في بلادنا بخاصة وفي الإقليم بعامة، لذلك عاد الاهتمام بنظرية تلزيم شرق المتوسط لكل من “إسرائيل” وتركيا وفتح هوامش صغيرة للسعودية والإمارات وقطر الدول التي ترى أن وظيفتها هي التمويل ومنح المشروعيّة العربيّة لأي سلوك معادٍ للأمة.
ما نراه اليوم هو في الحقيقة يعبّر عن الخلاف الإسرائيلي التركي حيث يريد كل منهما الدخول على حصص الآخر، ولكن مع فوارق أن الأتراك يبدو أنهم أكثر ارتياحاً في الشمال وفي سيطرتهم على إدلب والرقة وفي حصارهم السياسيّ المدعوم حتى الآن أميركياً ضد قسد ومحاولاتها لإقامة الدولة الكرديّة، فيما لا زال الإسرائيليّ يسير ببطء في مشروع طريق داود، وينتظر اللقاء مع الشرع في الثلث الأخير من أيلول بعد زيارته الولايات المتحدة، ويتعثّر في غزة إذ يستطيع تحقيق الانتصار ولو بشكل مظهريّ هناك فيما تراوح الأمور بين ثلاثة احتمالات، الأول هو تنفيذ خطة تطوير الحرب واحتلال غزة عسكرياً وطرد مليون فلسطينيّ نحو جنوب القطاع، والاحتمال الثاني استمرار الحرب بوتائرها الحالية وما التهديد بالاحتلال إلا لإرغام المقاومة على القبول بشروطه التعجيزية، والاحتمال الثالث الضعيف هو نجاح المفاوضات. ويبدو حتى الآن أن الاحتمال الأول هو الغالب إلا إن استطاع الجيش الإسرائيلي إرغام أو إقناع الحكومة بخطورة الاحتلال وما يعنيه من انزلاق في مستنقع بالغ الأذى للجيش وللدولة.
المسألة الثانية هي تلك التي يبدو أن الإسرائيلي مقبل عليها وهي عودة الحرب إلى لبنان فالإسرائيلي اليوم يحتلّ جنوب الليطاني ويريد التمركز في 14 بلدة لبنانيّة وتحديد مَن بإمكانه البقاء من سكانها، وإقامة محطات مراقبة وثكنات عسكريّة ويتحدّث عن منطقة عازلة اقتصاديّة تقوم فيها مصانع تبدو في ظاهرها لبنانيّة في ما هي في حقيقتها ليست إلا استثمارات (إسرائيليّة) بغطاء من أصدقاء “إسرائيل” في لبنان وهم وإن كانوا لا يتزايدون عدداً وإنما ينكشفون على حقيقتهم.
الإسرائيلي وأصدقاؤه من غرب وعرب ولبنانيين يريدون نزع سلاح المقاومة باعتباره سلاحاً غير شرعيّ لا وظيفة له، ولكن الحكومة اللبنانية كما الجيش اللبناني لا يستطيعون ذلك فلا بدّ من إعطاء المبادرة لـ(إسرائيل) لتقوم بالمهمة الأمر الذي يعني عودة الحرب إلى لبنان بغير ضوابط وبموقف رسميّ لبنانيّ يماثل موقف سلطة رام الله تجاه ما يجري في غزة. يوم أمس الأربعاء، أكد نتنياهو أن أي محاولة لفرض إعادة إعمار في منطقة الحزام الأمني سواء من قبل أفراد أو جمعيات أو حتى من الحكومة اللبنانية ستتم مواجهته على السواء مع أهداف للمقاومة اللبنانية، ألا يؤكد هذا التصريح أهمية الحاجة إلى المقاومة وسلاحها؟
إنها الحرب المقبلة والتي بموجب نتائجها يتحدّد ما سيتبعها.
*سياسيّ فلسطينيّ مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-08-28
