هل لدينا، ولو فكرة عن سؤال : اين العراق مما يحصل ومما سيحصل في دواخله وخوارجه على المستويين الداخلي بأبعاده المجتمعية (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية) والخارجي ببعديه الاقليمي والدولي ؟
نعم الداخل العراقي يعاني من انسدادات سياسية تزداد انغلاقا والمفاتيح مثلومة .. ويعاني من عقم اقتصادي انتاجي (زراعي-صناعي) ويتأبد في خصوبة استهلاكية تتغول.. ويعاني من تعارضات اجتماعية تتوسع طولا ومن نزوعات شعبوية تتضخم عرضا.. ويعاني من فقر معرفي يتمدقع ومن تصحر ثقافي يتوسع عموديا وافقيا .
باختصار ان العلامة الفارقة للداخل العراقي (سلوكا وتفكيرا) يسجلان غلبة العشق للماضي وحب المراوحة في بؤس الحاضر والاصرار على كراهية التحضير والاستعداد لتحديات المستقبل .
ونعم فان الخارج يقوى بضعفنا ويتدخل عبر طرق ملتوية غير مستقيمة ويخترقنا من شقوق ضيقة ليملأ فراغاتنا الواسعة التي نحن صنعناها لأننا مازلنا ننظر الى العراق من ثقوب ضيقة هي ثقوب المذاهب والقوميات والعشائر ولا ننظر ونرعى تعددية المذاهب والقوميات والعشائر من بوابة العراق الواسعة..
ولأننا ينبغي، ايضا، ان نلام ولا نلوم الاخر البراني الاقليمي والدولي عندما يتنمر وينظر الينا ويتعامل معنا بالعين الصغيرة، فهذا ما جناه نحن وليس الاخر فهل لدينا، ولو فكرة لما يحصل ولما سيحصل للعراق؟
هل لدينا المؤسسات الديمقراطية المنتخبة القائمة على الحوار والتسامح الفكري والسياسي بين اعضائها؟
لقد انتجت التجارب الانتخابية النيابية في العراق نخبة برلمانية مقيدة بولائها الجهوي الضيق وبالتوافقات الزبائنية السياسية في سلوكها وحتى تفكيرها، لذلك ستبقى عبارة عن نخب مترددة عن ممارسة وظيفتها في التشريع والرقابة وان لم تتردد فأنها ستظل متقمصة اطار الجهوية الضيقة التي تضع الحواجز في تعاملها مع الشركاء في المركب العراقي بتعصب وحقد وكراهية ويدفعهم الى ذلك المصالح الشخصية والمنافع الجهوية الضيقة على حساب مصالح مشتركة وطنية لا تقبل القسمة والبعثرة.
وهل لدينا شيء من العلم والمعرفة بضرورة العمل، دون القول، على انهاء المحاصصة المقيتة وترسيخ العدالة وتعزيز مبدأ السيادة الوطنية وتوفير الفرص المتكافئة امام ابناء العراق وعدم سن قانون انتخابي (جديد) كل دورة انتخابية وفق الاعتبارات والمصالح لبعض الاطراف على حساب اطراف اخرى وجميعها متنفذة بالمال والسلاح والسلطة؟
هل لدينا ارادة للاسراع في اجراء احصاء رسمي دقيق ودوري للسكان في العراق؟ وهل لدينا دعم لتشكيل الاحزاب السياسية العراقية العابرة للقوميات المتعصبة والطائفية السياسية المذهبية؟ وهل لدينا مستلزمات صناعة رجال دولة بحق لبناء دولة العراق بحق؟
ان القادة الذين يستحقون لقب رجال دولة ينبغي ان يتسموا بالعديد من معايير الكفاءة والمؤهلات ويكونوا قادرين على قيادة الدولة والمجتمع وان ينصرف شغفهم لمعالجة القضايا التي تخدم الصالح العام، وان يقدموا المشاريع المهمة لتحقيق هدف بناء الدولة، كما ينبغي ان يكونوا قادرين على ادارة الازمات.
بذلك فان الانضمام الى دائرة رجال الدولة يقترض ان لا يكون مفتوحا امام الجميع، لان وظيفة رجال هذه الدائرة لا يمارسون وظيفة روتينية يومية، لأنهم بصدد التعامل مع قضايا كبرى داخل المجتمع ومحيطه الاقليمي والدولي، ويفترض ان يكون كل واحد منهم على استعداد تام لتحمل كامل المسؤولية ، وبذلك ان رجل الدولة يختلف عن القادة الممثلين بالانتخابات من رجال السياسة الذين يضعون كل طاقاتهم في سبيل الفوز بالانتخابات والانتفاع من المناصب، وان الصفات التي يفوز بها النائب التمثيلي، على سبيل المثال، ليست بالضرورة هي صفات رجال الدولة خصوصا اذا كانت الانتخابات فرصة للأشخاص الديماغوجين والشعبويين للفوز بالنيابة او المنصب في الديمقراطيات الناشئة، وقد يكون صعبا على الناخب التمييز بين من يصلح لأن يكون من رجال الدولة عن رجل السياسة العادي او الديماغوجي الشعبوي.