هل كان الفيلسوف الالماني [ فيشته ] ماسونيًا!
رنا علوان
![هل كان الفيلسوف الالماني [ فيشته ] ماسونيًا!رنا علوان 1 cropped rnaalwan](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2022/09/cropped-rnaalwan.jpg)
الفيلسوف “يوهان غوتليب فيشت” (1762-1814) يُعتبر من اهم روّاد الفلسفة المثالية الألمانية أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19
كان فيشته يحاكي أسلوب ايمانويل كانط بشديد الصعوبة ، حيث ورد في كتاب تاريخ الفلسفة كلام عن هذا الأسلوب الصعب ، “لم يكن فيشته يتردد في التباهي بمهارته الفائقة في التظليل والتعتيم”
وكان يشير إلى طلابه أحيانًا كثيرة بأنه ليس هناك الا رجل واحد فقط في العالم يتمكن تمامًا من استيعاب ما يكتبه فيشته ، وحتى هذا الرجل الواحد سيواجه مشاكل في اقتناص المعنى الحقيقي
من يُتابع أعماله ، يتجلى له تأثره بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ، حيث كان الاخير أيضًا معجب بهمة فيشته وأفكاره ، وساعده على نشر أول مخطوطة له حول علاقة الفلسفة النقدية بالوحي الإلهي ، متبنيًا فيها فكرة كانط القائلة بأن كل المعتقدات الدينية يجب أن تخضع للتدقيق النقدي
وقد فتحت هذه المخطوطة أمامه باب الشهرة بين الفلاسفة الألمان ، وسرعان ما طوّر نظامه الخاص للفلسفة المثالية فيما يعرف بنظرية علم المعرفة ، في كتابه “حول مفهوم علم المعرفة أو ما يسمى الفلسفة”
أما بالنسبة للماسونية فلدى فيشته ، محاضرة تحت عنوان “فلسفة الماسونية” أو “رسائل إلى كونستانت” ، نُشرتا عام (1802 و1803) في مجلدين لدورية متخصّصة في
[إنتاج المفكرين المتحدين حول تاريخ وفلسفة الماسونية]
ولقد تم نشرها لاحقًا في كتاب حمل الإسميّن ، في موقع “منتدى البحوث الماسونية” نسخة منها بالنصّ الألماني مع الترجمة الإنكليزية
طبعًا بالإضافة الى العديد من المؤلفات الذي أتبعها بهذه المحاضرات ، من بينها “س نظرية علم المعرفة”، و”أسس القانون الطبيعي”، و”محاولة نقد الوحي”، و”الأخلاق في ضوء نظرية علم المعرفة”، و”مصير الإنسان”، و”المساهمة في تصحيح الأحكام العامة بشأن الثورة الفرنسية”
وبالعودة لمؤلف ( فلسفة الماسونية ) الذي سنتوقف عنده لنتعرف على فلسفة فيشته العامة ، ونظرته للحركة الماسونية ، وللدين والأخلاق
يعترف فيشته بإنضمامه للحركة الماسونية في عام 1793 ، ويعبّر فيشته بوضوح في كتابه عن معرفته العميقة بالحركة الماسونية ونشأتها وانتشارها في عصره ، ويذكر أنها ظهرت في لندن في العقود الأولى من القرن 18 ضمن إشعار عام
وكما يتبلور لنا أنه كان لها نشأة سابقة ، ولكن لا يعرف أحد كيف تمّ ذلك ، ولا ماهيتها ، وما الذي تسعى إليه ، ولكنها على الرغم من ذلك انتشرت بسرعة لا يمكن تصورها
حيث كانت بداية انطلاقتها من فرنسا ثم ألمانيا إلى جميع دول أوروبا المسيحية ، وحتى إلى أميركا ، وقد دخلها رجال من جميع الرتب ( حكام وأمراء ونبلاء ومتعلمون وفنانون ورجال أعمال ) ، وأطلقت على نفسها اسم “جمعية الماسونيين الأحرار”
(وهنا يُسقط فيشته فكرة ان عصر التنوير انتشر من فرنسا ، انما الذي انتشر منها هو الفكر الماسوني )
ولم تكن هذه الحركة مقبولة في بدايتها كما اشار فيشته ، فتعرضت حينها للاضطهاد في معظم الممالك الأوروبية ، مثل فرنسا نفسها التي نشأت منها ، والنمسا وبولندا وإسبانيا والبرتغال وبافاريا ونابولي وهولندا ، لكنها حافظت على نفسها في ظل كل هذه الاضطهادات
ويضيف فيشته ” لقد وجدت هذه الحركة في مكان ما الحماية والدعم ، فنالت ثقة الحكام ، بينما في مكان آخر واجهت خطر الانطفاء ، بسبب القمع الذي تعرضت له
طرح فيشته العديد من التساؤلات النقدية وبالمقابل اقترح الإجابات المناسبة لها ، وذلك لتوضيح المفاهيم الأساسية للحركة وترسيخ إيمان أعضائها بأهمية الدور المنوّط بها مقدمًا تصوراته لما قد يساعد الحركة الماسونية على القيام بدورها وتحقيق أهدافها
لم تأتِ أفكار فيشته في مؤلفاته ومحاضراته عما ورد في كتابه “الفلسفة الماسونية” ، والتي جسّدت رؤية الحركة الماسونية ( لتغيير النظام العالمي القديم وتأسيس النظام البديل) ، في شكل أسئلة وإجابات ، الا ضرورة لضبط الافكار ولتسهيل النجاح لها في هذه المهمة ، وهو ما تحقق فعليًا على مدى القرن ١٩ ، وكان من نتاج ذلك إزاحة الدين والأخلاق من حياة المجتمع والأفراد
يرى فيتشه ان نجاح الحركة الماسونية يكمن في :
-تشكيل مجتمع واحد ، أخلاقي وتقي
-تشكيل دولة واحدة وعادلة تمامًا تمتاز بالمساواة
-وأن يسود الكائن العقلاني ليتفوق على الطبيعة غير العقلانية ، فالعلوم الطبيعية وسيلة للإرادة العقلية
اما بالنسبة للجانب الديني ، فيعتقد فيشته أنه لا يمكن استخدام الدين للحفاظ على النظام المدني ، أو حتى لإضفاء السلاسة عليه ، لأنه لا فائدة منه على الإطلاق ،
وذلك لانه يجب عدم التدخل في أديان الشعوب عند نشر المحافل الماسونية فيها
ويوضح فيشته انه هناك نظرة ماسونية خاصة للدين ، ترى الدين على أنه دين أخلاقي ، وليس كنسيًّا ، فالأفكار الدينية للشعوب تلتصق بعاداتها وأعرافها ، وبآرائها في الحياة
[ وأن الإله تجلى لهم جميعًا بقوّة ترضي كل فئة ]
فمن البديهي ان كل منهم يرى انه مُحق فيما يعتنق من دين ، ويُبيّن لنا ، أن الأزمات الدينية تحدث عندما يتشاجرون مع بعضهم البعض ، وينكر أحدهم قصة الآخر ، ويحاول فرض قصته عليه بإعتبارها القصة الحقيقية الوحيدة ، وصولاً الى محاولة الغاء معتقدات الاخر لفرض معتقداته لمجرد انه هو مؤمن انها الأصح والأحق
ومن هنا يعتقد فيشته أنه يجب على الشخص المتعلم أن يضع جانبًا هذا الشكل العرضي للدين بالكامل ، لأنه ليس إنسانيًا بحتًا ، وغير منطقي ، كونه يلغي حرية الفرد الشخصية
اما الماسوني فليس متدينًا ، كما يقول فيشته ، فالدين بالنسبة له هو الأثير الذي تظهر فيه جميع الأشياء له ، حيث يضع لها القوة الكاملة في كل مهمة تأتي أمامه هنا في هذا العالم ، عقله دائمًا في الأبدية ، ويترك قواه في راحة على الأرض ، لأنه لا يوجد عقل بدون قوة فعّالة تعطي شيئًا لابتكاره
لكن الماسوني يجب عليه أن يفعل الخير ويتجنب الرذيلة بدافع الشعور بالواجب ، أو على الأقل الشرف ، فالماسوني على حد قول فيشته لا يعتبر الدين حافزًا للفضيلة ، لأن الدين لا يمكن أن يكون كذلك طالما أن كل ما يقوم على دافع خارجي يتوقف عن كونه فضيلة
ختامًا ، يرى فيشته أن الهدف العام للبشرية هو [تشكيل هيئة أخلاقية] بحتة واحدة ، تعبّر عن حالة قانونية واحدة تمامًا تخضع فيها الطبيعة غير العقلانية لما تمليه إرادة المرء
وأن المرء لم يعرف بعد الأخلاق الحقيقية ، (فالأخلاق هي أن يقوم المرء بواجبه المحدد جيدًا بحرية داخلية مطلقة ، دون أي حافز خارجي ، لمجرد أنه واجب عليه)
2023-08-17