هل سيكون التحشيد العسكري على حدود مولدوفا بداية لتوسع الحرب الأوكرانية ..؟
أنس القباطي
تشير المعطيات على الارض ان الحرب الاوكرانية ستشهد في عامها الثاني تصعيدا غير مسبوق، قد يمتد إلى الدول المجاورة، والتي كانت منضوية في اطار الاتحاد السوفيتي السابق، وابرزها مولدوفا، التي تشهد انقساما داخليا غذته بشكل كبير تداعيات الحرب في اوكرانيا المجاورة.
والاثنين 27 فبرائر/شباط 2023 أعلنت السكرتيرة الصحفية لقوات الدفاع الأوكرانية الجنوبية، ناتاليا غومينيوك، أن كييف عززت وحدات من قواتها المسلحة بالقرب من اقليم بريدنيستروفيه في مولدوفا.
وبريدنيستروفيه المولدوفية السوفيتية الاشتراكية، هي دولة سابقة أسست في سبتمبر/أيلول 1990م، وأنتهت في العام 1991م بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وأصبحت بريدنيستروفيه والتي تعرف أيضا باسم “ترانسنيستريا” بعد حل الاتحاد السوفيتي اقليم في اطار مولدوفا يتمتع بالحكم الذاتي، وتصاعدت التوترات بين مولدوفا وأراضي ترانسنيستريا الانفصالية إلى صراع عسكري بدأ في مارس/آذار 1992، وانتهى باتفاق لوقف إطلاق النار في يوليو/تموز من نفس العام، وتضمن الاتفاق اشراف لجنة مراقبة مشتركة ثلاثية الأطراف مكونة من روسيا ومولدوفا وترانسنيستريا، لتنفيذ الترتيبات الأمنية في المنطقة منزوعة السلاح، والتي تضم 20 منطقة على جانبي النهر، وعلى الرغم من استمرار وقف إطلاق النار، لا يزال الوضع السياسي للإقليم دون حل. وبريدنيستروفيه او ترانسنيستريا هي جمهورية شبه رئاسية غير معترف بها، ولكنها مستقلة بحكم الواقع ولها حكومتها وبرلمانها وجيشها وشرطتها ونظامها البريدي وعملتها.
تقول غومينيوك السكرتيرة الصحفية لقوات الدفاع الأوكرانية الجنوبية، ان قوات كييف تتركز على طول الحدود مع بريدنيستروفيه المولدوفية، مؤكدة ان تلك القوات كافية لمواجهة التهديد المحتمل افتراضيا من روسيا.
من جانبها كانت وزارة الدفاع الروسية قد اعلنت في وقت سابق، أن نظام كييف يكثّف استعداداته لغزو جمهورية بريدنيستروفيه المولدوفية، ردا على مزاعم من كييف بوجود زحف من القوات الروسية انطلاقا من أراضي بريدنيستروفيه، مشيرة إلى أن القوات الروسية سترد بشكل مناسب على ذلك، موضحة ان الوزارة سجلت تحشيدا كبيرا للأفراد والمعدات العسكرية للقوات الاوكرانية بالقرب من الحدود مع بريدنيستروفيه، فضلا عن تسجيل زيادة غير مسبوقة في رحلات الطائرات المسيّرة الأوكرانية فوق أراضي بريدنيستروفيه، معتبرة ذلك استفزاز مخطّط له من قبل السلطات الأوكرانية، ويمثل تهديدا مباشرا لوحدة حفظ السلام الروسية المنتشرة بشكل قانوني في بريدنيستروفيه.
اعتراف كييف بتعزيز قواتها على طول الحدود مع بريدنيستروفيه، يعد مؤشرا على وجود توجه لاوكرانيا والحلف الذي يقف خلفها لشن عملية عسكرية في بريدنيستروفيه، وهو ما اثار المخاوف الروسية نظرا لما يمثله موقع تلك الجمهورية غير المعترف بها من اهمية جيوسياسية، فهي تقع شرقي نهر دنيستر بين أوكرانيا ومولدوفا، وتتواجد فيها قوات حفظ سلام روسية مكونة من اكثر من 400 عسكري روسي إلى جانب حوالي 500 عسكري من بريدنيستروفيه و اكثر من 350 عسكري مولدوفي، و10 مراقبين من أوكرانيا، يقومون بتنفيذ عملية حفظ السلام في 15 مركز ونقطة تفتيش ثابتة.
ومع غياب افق السلام في اوكرانيا، وتوجه الاطراف الفاعلة في الحرب نحو التصعيد، يبدو ان كييف وحلفاؤها الغربيين سيستخدمون بريدنيستروفيه كورقة ضغط على روسيا لوقف تقدم عملياتها العسكرية على أكثر من جبهة في اوكرانيا، ويبدو ان إشعال معركة باتجاه بريدنيستروفيه يعتمد على التقدم للقوات الروسية باتجاه مناطق استراتيجية في اقليم دونباس الذي اعلنته موسكو جزء من أراضي الاتحاد الروسي، وتهدف المعركة لتصفية التواجد الروسي في بريدنيستروفيه، والاستيلاء على مخازن الأسلحة الضخمة التي تعود للحقبة السوفيتية، والموجودة في قرية كولباسنا، والتي تحرسها قوات حفظ السلام الروسية، وربما ان توقيت المعركة سيتحدد بالحاجة للاسلحة الموجودة في تلك القرية في حال تراجع مخزون الاسلحة لدى الجيش الاوكراني، حيث تعد مخازن السلاح في كولباسنا أحد أكبر مستودعات الأسلحة؛ إن لم يكن أكبر مستودع سلاح في شرق أوروبا، حيث تفيد معلومات انه يحتوي على ما يصل إلى 20 ألف طن من أسلحة الحقبة السوفيتية، ويقع على بعد 2 كم من الحدود الاوكرانية، وربما ان القوات الأوكرانية تهدف من تعزيز قواتها على الحدودية لتنفيذ عملية خاطفة للوصول إلى ذلك المستودع الضخم من الأسلحة.
التحرك العسكري الأوكراني على الحدود مع بريدنيستروفيه، تزامن مع تحرك عسكري روماني على الحدود البريدنيستروفيه ايضا، وهو ما يراه البعض مؤشر على وجود مخطط ربما يهدف لتوسيع الحرب خارج الحدود الأوكرانية، وفي حال حصل ذلك، فإنه سيكون كفيلا بتمدد الحرب نحو دول أخرى مجاورة، ما ينذر بتحول الحرب الاوكرانية إلى حرب عالمية ستصتلي بنيرانها دول اوروبا أكثر من غيرها.
التحرك العسكري الاوكراني الروماني على الحدود مع بريدنيستروفيه قد يكون مرتبطا بحسابات لدى داعمي اوكرانيا، يهدفون من وراءها الاضرار بسمعة النظام الروسي شعبيا في حال تم الاستيلاء على بريدنيستروفيه، وضرب معنويات الجيش الروسي، بما يؤدي إلى خلخلة الاستقرار الداخلي في روسيا، وارسال رسالة للدول التي تبدو قريبة من روسيا، لحملها على الابتعاد عن موسكو، فحصول اي هجوم عسكري على اقليم بريدنيستروفيه سيضع روسيا امام خيار صعب، فالجيش الروسي لا يمكنه التقدم نحو الاقليم حيث تفصل بينه وبين الأراضي الروسية مسافة تصل إلى 230 كم من الأراضي الأوكرانية، تمر بها عدد من الأنهار، بينها نهر دنيبر، وهذه الأنهار من الصعوبة بمكان عبورها.
ويظل تنفيذ أي عملية عسكرية اوكرانية باتجاه بريدنيستروفيه، بحاجة لموافقة من مولدوفا التي يعد الاقليم جزء من أراضيها، والمبرر هنا سيكون لتنفيذ عملية ضد الانفصاليين في اقليم بريدنيستروفيه، والموافقة المالدوفية ستكون مهمة لكييف حتى لا تكون دولة معتدية. وبالنظر للوضع في مولدوفا فإن الاوضاع الداخلية قد تؤدي إلى اضطرابات في ظل انقسام تشهده البلاد، فالمجتمع منقسم إلى ثلاثة اقسام تكاد تكون متوازنة، فهناك قسم يرى ضرورة الابتعاد عن روسيا والتقارب مع رومانيا، وقسم يرى بضرورة ان تكون مولدوفا مستقلة عن رومانيا وروسيا، وقسم ثالث يؤكد على ضرورة التقارب مع روسيا، وبالتالي فإن هذا الانقسام يعد معيقا للقيادة المولدوفية باتخاذ قرار يسمح بتدخل عسكري اوكراني.
وفي هذا السياق يقول الباحث السياسي المولدوفي، فيتالي أندريفسكي، انه يمكن لأوكرانيا تنفيذ عملية عسكرية باتجاه بريدنيستروفيه، إذا منحتها حكومة مولدوفا موافقة على ذلك، لكن السؤال الوحيد هو ما إذا كانت القيادة المولدافية في كيشيناو العاصمة مستعدة لدعوة القوات المسلحة الأوكرانية، إذا نشأ سؤال حول نقل المستودعات في قرية كولباسنا إلى الأوكرانيين، وهنا يجب التفكير أولاً بما إذا كانت اللعبة تستحق كل هذا العناء، حيث لا تعرف حالة الاسلحة في تلك المستودعات. اما مدير معهد الدول الأكثر حداثة، أليكسي مارتينوف فيرى ان روسيا حاليا تحرز تقدما، وهذا التقدم مقلق للغاية لكيشيناو، لانه يعني ببساطة خسارة بريدنيستروفيه، وبالتالي فقد تمنح القوات المسلحة الأوكرانية “الضوء الأخضر” لعبور الحدود.
واذا ما اخذنا تعقيدات الوضع الداخلي المنقسم في مولدوفا، وما سيكون له من تأثيرات تعيق اتخاذ القيادة المولدافية قرارا بالسماح للقوات الاوكرانية بتنفيذ عملية عسكرية في اقليم بريدنيستروفيه، هناك خيار أخر يتمثل في ايكال المهمة للجيش الروماني، فرئيسة مولدوفا مايا ساندو هي من أصول رومانية، وهي تستحسن توحيد مولدوفا مع رومانيا، وفي حال تعرضت لضغوط من واشنطن التي تعد موالية لها قد تتخذ قرارا بالسماح للقوات الرومانية بدخول اقليم بريدنيستروفيه، لكن يظل الانقسام الداخلي معيقا لاتخاذ القرار على اعتبار ان من يؤيد توجهها للتوحد مع رومانيا ثلث المجتمع، وهو ما سيعني توحد الثلثين وهم الاغلبية ضدها، وبالتالي قد تصل الامور إلى الاطاحة بها وتعقيد مهمة الجيش الروماني، وذلك سيخدم روسيا.
ولذلك فإن مجمل هذه التعقيدات تضع عراقيل امام تنفيذ أي عمل عسكري باتجاه بريدنيستروفيه، وهو ما يراه الصحفي أليونا زادوروجنايا، والذي يشكك في إقدام أوكرانيا على استفزاز عسكري، حيث يقول ان مكتب الرئيس الأوكراني، زيلينسكي، يدرك أنه في حالة شن هجوم، لن يتمكن الجيش الاوكراني من تنفيذ العملية بسرعة، لافتا إلى انه إذا حدث الاستفزاز، فقد يتحقق مرة أخرى السيناريو الذي حصل عندما هاجم الجيش الجورجي قوات حفظ السلام الروسية، فقامت روسيا بعملية إجبار تبليسي على السلام.
وامام هذه التحديات فإن ذلك لا يعني ان حشد القوات الاوكرانية والرومانية على حدود بريدنيستروفيه هدفه توجيه رسائل لروسيا، وانما قد تأتي لحظة فاصلة في الصراع المتصاعد تجعل الحاجة ماسة لتدخل عسكري باتجاه بريدنيستروفيه، خاصة وان الجانب الأمريكي كطرف فاعل في الحرب لا يمكن ان يقبل باستمرار الوضع الحالي، وفي حال عدم تحقيق الجيش الأوكراني تقدما حتى الخريف القادم، فستضطر لاجبار كييف على الجلوس للتفاوض مع موسكو، ولذلك قد تدفع الجيش الاوكراني او الروماني لتنفيذ عملية عسكرية باتجاه بريدنيستروفيه لاستخدامه اعلاميا كحرب نفسية ضد موسكو في حال نجح الهجوم، فضلا عن استخدامه من قبل بايدن وحزبه كدعاية انتخابية في الانتخابات الأمريكية المرتقبة.
ومما سبق يمكن القول ان توسيع الحرب الاوكرانية باتجاه مولدوفا سيظل خيارا واردا في حال ظلت المراوحة في المعارك بين الجيشين الروسي والأوكراني هي السائدة، وفي حال حصل هذا التوسع فإنه سيفتح باب توسع رحى الحرب نحو دول شرق أوروبا، وهنا لن تكون الحرب مجرد حرب استنزاف، وانما ستكون تحول في مسار الحرب نحو حرب عالمية، لا يستبعد ان يستخدم فيها السلاح النووي.

عرب جورنال
2023-03-04