حين ظنّوا أنَّ النارَ تُخمد وطنًا كان تحت الرمادُ شعبًا لا يركع!
مريم عرجون*
خرجتُ من بين الكتبِ والأوراق، من عالمٍ كنتُ أظنُّ أنَّ الحبرَ فيه قادرٌ على أن يُسمّي الأشياءَ بأسمائها، وأنَّ الكلماتِ تستطيعُ أن تُرمِّمَ شيئًا مما تكسرُه الحياة، حملتُ قلمي وعُدتُ إلى وطني، فإذا بي أجدُ غابةً أكلتْها النيران، وجذوعًا سوداءَ كانت بالأمسِ تُغنّي للفجر، ورمادًا يتطايرُ في الهواء كأنَّه بقايا ذاكرةٍ لا تريدُ أن تموت.
عُدتُ أحملُ خيبةَ غابةٍ احترقت، وبقايا أملٍ بأنَّ الرمادَ سيُنبتُ زيتونًا، أحملُ قلقي مع كلِّ عمودِ دخانٍ يصعدُ إلى السماء، وحزني على خضرةِ الجبالِ وهي تتوارى تحتَ اللهب، وخوفي من أن تكونَ هذه الحرائقُ مفتاحًا لبابٍ آخرَ من أبوابِ العبثِ بالوطن، لكنني كنتُ أرى النارَ ولا أرى ما تحتَها، كنتُ أرى الرمادَ ولا أرى الجذور، كنتُ أرى الغابةَ وهي تفقدُ خضرتَها، ولا أرى في الجهةِ الأخرى من المشهدِ شعبًا كان، كما عهدتُه دائمًا، يقظًا، يرى ما وراءَ الدخان، ويزنُ ما يُلقى إليه، ولا يمنحُ النارَ أكثرَ مما تستحقُّ من خوف ثم أدركتُ أنَّ الحريقَ لم يكن وحده في الميدان، فقد تكاثفت حول الوطنِ وجوهُ فتنةٍ أخرى، مخدراتٌ تُدسُّ في أوصالِ شبابه، وإشاعاتٌ تُنفثُ في آذانِ أهله، وأراجيفُ تُبثُّ في ليله ونهاره، وخوفٌ يُرادُ له أن يستقرَّ في الصدور، ونيرانٌ تمتدُّ إلى غاباته حتى يغدو الشجرُ رهينةَ اللهب، عندها لم يعد السؤالُ سؤالَ غابةٍ احترقت، ولا سؤالَ موسمٍ من مواسمِ الحرائق، صار السؤالُ أكبرَ من حادثةٍ عابرة، وأجلَّ من خبرٍ يمرُّ ثم يُنسى:
أيُّ أمرٍ يُرادُ بالجزائر؟
وحينها فهمتُ أنَّ مهمتي ككاتبةٍ ليست أن أبكي على الرماد، بل أن أقرأ ما يكتبهُ الرمادُ على وجهِ الوطن، فما حسبتُهُ خيبةً لم يكن غفلةً تُعقبُها يقظة، فالشعبُ الجزائريُّ لم يكن نائمًا حتى يستيقظ، ولم يكن غافلًا حتى تُوقظَه النار، كان مستيقظًا، كان يرى، ويتأمل، ويزن، ويعرف أنَّ الوطنَ أكبرُ من خبرٍ عابر، وأبقى من حملةٍ عابرة، وأعمقُ من نارٍ تلتهمُ شجرة، كانت المحنةُ امتحانًا لوعيٍ حاضر، ووعيًا يزدادُ صلابةً كلما اشتدتِ المحنة.
وقد يُحاوِلُ نِمَالُ الهَوَامِشِ، إن ثَبَتَ تَوَرُّطُهم، أنْ يَجعَلوا مِن النارِ سَيفًا خَفِيًّا في حَربٍ لا تُرفَعُ فيها الراياتُ، ولا تُسمَعُ فيها طُبولُ الجُيوشِ، فتَسبِقُ النارُ الرَّصاصةَ، ويُرادُ للوَهْنِ أنْ يَتَسَلَّلَ إلى الجَسَدِ قبلَ أنْ يَشعُرَ به الجَسَدُ، ولكنَّهم أَخطَؤُوا الحِسابَ، فَالجزائرُ ليستْ دارًا تُركِعُها نارُ غابةٍ، ولا شَعبًا تَسوقُه شائعةٌ، ولا دَولةً تُسقِطُها مُؤامَرَةٌ، فمَن ظَنَّ أنَّ إحراقَ غابةٍ يُحرِقُ إرادةَ الجزائرِ، فما عَرَفَ الجزائرَ، ومَن تَوَهَّمَ أنَّ الخَوفَ يَجعَلُ هذا الشَّعبَ يُطَأطِئُ الرَّأسَ، فقد أَخطَأَ قِراءةَ التاريخِ، فالجَزائريُّ مَلِكٌ في أَرضِه، حُرٌّ في وَطَنِه، لا يَستَمِدُّ كَرامَتَه مِنِ اعترافِ أَحَدٍ، ولا يَستَعيرُ سِيادَتَه مِن قُوَّةٍ وراءَ البَحرِ، شَعبٌ أَمازيغِيُّ الجُذورِ، عَريقُ الذاكرةِ، لا يَرَى نَفْسَه غَريبًا في أَرضِه، فهو ابنُها، ووارِثُ مَجدِها، وحافِظُ عَهدِها، وحارِسُ كَرامَتِها، وقد يكونُ الجَزائريُّ «مَجنونًا» إذا مُسَّتْ كَرامَةُ وَطَنِه، لا جُنونَ ذَهابِ العَقلِ، وإنَّما جُنونُ الكِبْرِياءِ حينَ تُمسُّ الأرضُ، وجُنونُ الحريةِ حينَ يُرادُ للحُرِّ أنْ يَعيشَ ذَليلًا في دارِه، وقد حاوَلَ الاستعمارُ بالأَمسِ أنْ يَنتَزِعَ الأرضَ مِن أَهلِها، وأنْ يَقتَلِعَ الجُذورَ مِن تُربَتِها، فقاوَمَ الجَزائريُّونَ حتى استَرَدُّوا السِّيادةَ، ودَفَعوا مِنَ الدَّمِ ما جَعَلَ الحريةَ عَهدًا لا يُنقَضُ، واليومَ، إذا ظَهَرَتْ يَدٌ تُحاوِلُ العَبَثَ بأَمْنِ الجزائرِ بالنارِ، فإنَّ الرَّدَّ ليسَ بالفَوْضَى ولا بالكراهيةِ، وإنَّما بالوَعْيِ، والقانونِ، والمُؤَسَّساتِ، واليَقَظةِ الوَطَنِيَّةِ.
لَسنَا دُعاةَ حَربٍ، ولا نَبحَثُ عن عَدُوٍّ، لكنَّنا كذلكَ لَسنَا شَعبًا يَهابُ التَّهديدَ، مَن يَأتِ الجزائرَ بالسَّلامِ، يَجِدْ شَعبًا كَريمًا، ومَن يَأتِها بالاحترامِ، يَجِدِ الاحترامَ، أَمَّا مَن يَظُنُّ أنَّه يَستَطيعُ أنْ يَجعَلَ مِن غاباتِنا مَحرَقَةً، فعليه أنْ يُعيدَ حِساباتِه، قبلَ أنْ يَكتَشِفَ أنَّ للجزائرِ حِسابًا لا يُخطِئُه التاريخُ، هذه أَرضٌ لم تُخلَقْ للرُّكوعِ. هذه أرضُ الشُّهَداءِ. هذه أرضُ الأَحرارِ. هذه أَرضٌ عَرَفَ أَهلُها مَعنَى المُقاوَمَةِ، وعَرَفوا أنَّ الحريةَ لا تُمنَحُ للضُّعفاءِ، وإنَّما تُصانُ بإرادةِ الأَقوياءِ، فليُخَطِّطْ مَن شاء، وليُحاوِلْ مَن شاء، فالجزائرُ ليستْ مِيدانًا تُدارُ فيه رِهاناتُ الغَيرِ، ولا ساحةً تُلقى فيها أَوراقُ المتآمِرينَ، إنَّها كِيانٌ له ثِقَلُه في التاريخِ، وله وَزْنُه في الضَّميرِ الإنسانيِّ، وله مكانُه الذي لا يُنازَعُ فيه، والشَّعبُ الجَزائريُّ، بما حَشَدَ من عُمْرٍ طَويلٍ في مُواجهةِ النَّوائبِ، وصَبْرٍ على المَكارِه، وتَماسُكٍ في الشَّدائدِ، يَعلَمُ أنَّ النارَ وإنِ امتَدَّتْ إلى غاباتِه، فإنَّها لا تَبلُغُ مِن صَميمِ إرادتِه، ولا تَقدِرُ على هَزِّ عَزيمتِه، ولا تَستَطيعُ أنْ تَجعَلَه يَلتَفِتُ وَراءَه خَوفًا، بل يَمضِي قُدُمًا بَصيرًا بِوَجْهِ طَريقِه، عارِفًا بحقيقةِ مَن يُدَبِّرُونَ له، ومَن يَترَبَّصُونَ به.
وإنَّ الذي يُرادُ بالجزائرِ من هذه الحرائقِ، إنْ هو إلَّا مَحكٌّ لِصَبرِها، ومِيزانٌ لِوَعيها، ومُختَبَرٌ لِوَحْدَتِها، وما كانتِ الجزائرُ لِتَخرُجَ مِن مِثلِ هذه المِحَنِ إلَّا أَقوَى جَنانًا، وأَثبَتَ قَدمًا، وأَعمَقَ يَقينًا بِأَنَّ العِزَّةَ لا تُورَثُ إلَّا لِمَن يَصونُها، وأَنَّ طريقَها الذي اختارَتْه هو طريقُ الكَرامةِ، لا طريقُ الخُنُوعِ والذُّلِّ، يَومَ تُحاوِلُ النارُ أنْ تَأكُلَ غابَةً، تَجِدُ الشَّجرَ يَصْمُدُ، وتَجِدُ الجَذْرَ يَتَمَسَّكُ بالتُّرابِ، وتَجِدُ البُذورَ تَكمُنُ تحتَ الرَّمادِ لتَعودَ نَضرةً ونَماءً، كذلكَ الجزائريُّونَ، إذا أَحرَقَ مَن يَتَرَبَّصُ بالجزائرِ غاباتَها، وَجَدَ الشَّعبَ قد أَمسَكَ بِجَذْرِ وَطنِه أَشَدَّ الإمساكِ، وعَلِمَ أنَّ الخُضرةَ لا تَموتُ، وأنَّ الحياةَ تَندَفِعُ من تحتِ الرَّمادِ أَشرَفَ ما تكونُ، وأَجمَلَ ما تَكونُ، فالنارُ إذنْ ليستْ نِهايةً، بل بَدءًا لِوَعيٍ جَديدٍ، ويَقَظةٍ أَعمَقَ، وتَماسُكٍ أَشَدَّ، وما أَحرَقَتْه النارُ اليومَ، سَيُزرَعُ غَدًا، وما أَتلَفَتْه الحَرائقُ، سَيُعَوِّضُه الجُهدُ والعَزْمُ، وما خَسِرَهُ الوَطنُ من شَجَرٍ، سَيَربَحُهُ من يَقينِ أَبنائِه وإِخلاصِهم.
أَما فَأْرُ الأَقْبِيَةِ الذين يَكمُنونَ خَلفَ هذه المَكائِدِ، فإنَّهم يَعلَمونَ أَو يَجِبُ أَن يَعلَموا أَنَّ الجزائرَ ليستْ كغَيرِها من البِلادِ، فتاريخُها مَصنوعٌ من صَبرِ الأَبطالِ، وَجْهُها مَطْبوعٌ بمَلامِحِ الأَحرارِ، ورُوحُها مُشبَعَةٌ برائحةِ الشَّهادةِ والانتِصارِ، هذا الشَّعبُ الذي غَنَّى في السُّجونِ، وصَلَّى في المَنافِي، وحَمَلَ الرَّايةَ في المَعارِكِ، لا يُرْعِبُهُ لَهَبٌ، ولا يُزَعْزِعُهُ إشاعَةٌ، ولا يُثْنِيهِ عن جادَّتِهِ أَذًى، ولا يَصرِفُه عن غايَتِه وَعْدٌ زائِفٌ، ولا تَهديدٌ فارِغٌ.
إنَّهم يَقرَؤُونَ الأَحداثَ بِعَينِ الحَقيقَةِ، ويَزِنونَ الأخبارَ بِميزانِ العَقلِ، ويَعرِفونَ مَن يُريدُ بهم خَيرًا مِمَّن يُريدُ بهم شَرًّا، وما دامَ في الوَطنِ رِجالٌ يَحمُونَ الحُدودَ، ونِساءٌ يُربِّينَ الأَبناءَ على مَحبَّةِ التُّرابِ، وأَطفالٌ يَحفَظونَ أَناشيدَ الفَخرِ، وشُيوخٌ يَروُونَ حِكاياتِ البَسالةِ، فَإِنَّ الجزائرَ في حِصنٍ مَنيعٍ، لا تَخْتَرِقُه النيرانُ، ولا تَهُدُّهُ الرِّياحُ، ولا تَنالُ منه المَكائِدُ، والسِّيادةُ عندنا ليستْ كَلِمَةً تَترَدَّدُ في الخُطبِ، ولا عِبارَةً تُزَخرِفُ بها الصَّحائِفُ، السِّيادةُ عَزمٌ يُترجَمُ إلى فِعلٍ، وإرادةٌ تَتَجَسَّدُ في حِراسةِ الأَرضِ، وعَقلٌ يَتَجَلَّى في حِمايةِ المُستَقبَلِ، ولقد عَلِمَ الجَزائريُّونَ أَنَّ حَريَّتَهم لا تُشْتَرَى، وأَنَّ كَرامَتَهم لا تُباعُ، وأَنَّ أَرضَهم ليستْ مَغْنَمًا لأَحدٍ، ولا مَطْمَعًا لِطامِعٍ، ولقد عَرَفُوا مِن قَبلُ أَنَّ الغابَةَ التي تُحرَقُ اليومَ، هي غَابةُ أَجدادِهِم، ومَصِيدُ آبائِهِم، ومَتَّكأُ أَبنائِهِم، ومَلهى أَطفالِهِم، فَكيفَ يَرضَونَ لها بالخَرابِ، وهُم أَهلُها، وحُرَّاسُها، وحَفَظَةُ عَهدِها؟
ومَن يَظُنُّ أنَّ النارَ تَكسِرُ شَوكَةَ هذا الشَّعبِ، فلْيَذكُرْ كيفَ كانَ الشَّعبُ يَخرُجُ من تحتِ القَصفِ ليُصَلِّيَ، ومن بَينِ الرَّمادِ لِيَزرَعَ، ومن خِلالِ الحِصارِ ليُبدِعَ.
أَليسَ هذا هو الشَّعبَ الذي بَنَى من الحَجَرِ مَدائنَ، ومِنَ الصَّحراءِ حَدائِقَ، ومِنَ الجُرحِ أُنشُودَةً؟
أَليسَ هذا هو الشَّعبَ الذي قالَ للاستعمارِ: «لا» فكانَتْ «لا» مليون ونصف مليون شهيد.
أَليسَ هذا هو الشَّعبَ الذي أَقامَ الدَّولةَ على أَكتافِ الشُّهَداءِ، وحَمَلَ الأَمانَةَ في قَلبِ كُلِّ مُواطِنٍ؟
إذن فَلْيُوقِنْ كلُّ مَن يُفَكِّرُ في المساسِ بالجزائرِ، أَنَّ وَراءَ كُلِّ شَجَرَةٍ فيها جَزائريًّا يَحْرُسُها، وأَنَّ وَراءَ كُلِّ جَبَلٍ فيها عَينًا تَرْمُقُ السَّماءَ، وأَنَّ في كُلِّ قَريَةٍ قَلبًا يَنبِضُ بِحُبِّ التُّرابِ.
ليَعلَمْ أَنَّهُ لا يَتَعامَلُ مع أَرضٍ صَمَّاءَ، بل مع شَعبٍ نابِضٍ، ولا مع غاباتٍ صامِتَةٍ، بل مع ذاكِرَةٍ حَيَّةٍ، ولا مع حُدودٍ جامِدَةٍ، بل مع كَرامَةٍ تَأبَى الانكِسارَ.
فَليَذهَبْ مَن شاءَ مِن ذُبَابِ الجُثَثِ يُشعِلُ النارَ، فلنْ يَأكُلَ اللَّهَبُ إلَّا الشَّجَرَ، وأَمَّا الإرادةُ فهي كالإيمانِ باللهِ الواحدِ الأحدِ، لا تَزُولُ، ولا تَتَشَعَّبُ، ولا يَلْحَقُها رَيْبٌ، ولا يُوهِنُها خَوْفٌ، إيمانٌ قويٌّ لا يَتَزَعْزَعُ، ثابِتٌ كالعَقِيدَةِ في صَمِيمِ النُّفوسِ، لا تُحرِقُه النارُ، ولا تَنالُ منه مَكائِدُ عَنَاكِبُ الأَوْكَارِ، ومَهْمَا تَكَرَّرَتِ المَحاولاتُ، ومَهْمَا تَنَوَّعَتِ الأَساليبُ، فَسَيبقَى الجَزائريُّ شامِخًا، والوَطنُ عَزيزًا، والرَّايةُ مَرفوعَةً، لأَنَّ هَذِهِ الأَرضَ قد كُتِبَتْ بالدَّمِ، وحُرِسَتْ بالرُّوحِ، وسَتُورَثُ للأَجيالِ بالأَمانَةِ، والأَمانَةُ في أَعناقِنا، والعَهدُ في صُدورِنا، والجزائرُ في قُلوبِنا.
نَعَم…
قد تَحتَرِقُ شَجَرةٌ، ولا تَحتَرِقُ الذاكرةُ.
قد يَسقُطُ غُصنٌ، ولا تَسقُطُ شَجَرةُ الوَطنِ.
وقد تَشتَعِلُ الأرضُ، ولكنَّ الجزائرَ لا تَشتَعِلُ فيها رايةُ الاستسلامِ، لأنَّ في هذا الوَطنِ شَعبًا يَعرِفُ أَصلَه، ويَحفَظُ أَرضَه، ويَعرِفُ أنَّ السِّيادةَ ليستْ شِعارًا يُرفَعُ في ساعةِ الحَماسةِ ثم يُطوَى.
السِّيادةُ عَهدٌ.
والعَهدُ لا يُخانُ.
والجزائرُ…
لا تَركَعُ إلَّا للهِ.
كاتبة جزائرية
2026-08-28