هل ستندلع الحرب بين إيران والكيان الصهيوني؟
عميرة أيسر
زادت حدّة التوترات العسكرية وتصاعدت مؤخراً في منطقة الشرق الأوسط بعد أن قامت إسرائيل باغتيال قادة الجهاد الإسلامي الثلاثة في غزة، وما تبعه من عمليات للمقاومة الفلسطينية تضمنت استهداف مستوطنين وجنود للاحتلال في مختلف المناطق المحتلة، وامطار المدن والمغتصبات الصهيونية بوابل من رشقات الصواريخ النوعية أدت بحسب تقارير صهيونية لإحداث أضرار جسيمة في البنى التحتية بالعديد من المناطق المحتلة، بالإضافة لإحداث موجات هلع ورعب لدى المستوطنين أدت لدخول الكثير منهم لغرف الإنعاش، وأكدت الانطباع الراسخ لدى الكثير منهم بأن إسرائيل أرض اللبن والعسل والخيرات التي وعد الرب اليهود بالعيش الأمن فيها كما يزعمون، لم تعد كذلك بالنسبة لهم، يحدث كل ذلك تزامناً مع ازدياد موجة الاحتجاجات المتواصلة للمستوطنين ضد حكومة نتنياهو الحالية التي باتوا يطالبون برحيلها الفوري، ما أدى لاندلاع موجة جديدة من المواجهات المباشرة بين أنصار اليمين المتطرف وأنصار التيار الليبرالي المعتدل في الكيان الصهيوني الذي يرى بأن نتنياهو يعمل بخطى متسارعة من أجل تحويل الدولة العلمانية حسب وجهة نظرهم لدولة ثيوقراطية تعتمد اعتماداً كلياً على الكتب الدينية اليهودية كمصادر للتشريع والحكم، فالتيار اليميني المتطرف المتغلغل في جسد هذا الكيان، قد أصبح بمثابة كابوس للعلمانيين، بحسب ما نشرته صحيفة إسرائيل اليوم العبرية إذ أن المتدينين الذين شكلوا ما نسبته 2 بالمئة فقط من ضباط الوحدات القتالية في الثمانينات من القرن الماضي، أصبحوا يشكلون حالياً ما نسبته 35 إلى 40 بالمئة من الضباط في ألوية الصفوة والوحدات القتالية. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 9 مارس/ أذار 2014م، في مقال بعنوان (ما بعد هيمنة المتدينين على الجيش الاسرائيلي).
فهذا التيار الديني الذي يسيطر على كل مؤسسات الكيان بما في ذلك وزارة الدفاع الصهيونية يريد بشتى الطرق إيصال رسائل للداخل والخارج بأن إيران هي العدو الأساسي والرئيسي الذي يدعم من يسمونهم بالمخربين العرب، ويقصدون بذلك كل حركات المقاومة التي ترفع شعار تحرير كافة الأراضي العربية المغتصبة من النيل للفرات، وتدعو لطرد كل القوات الأجنبية التي تسيطر على الكثير من الدول العربية بالوكالة، فالعديد من دول المنطقة قد تحولت لمراكز دائمة للقوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية…الخ، وباعتراف الصهاينة أنفسهم فقد استطاعت طهران رغم كل الأزمات والحروب التي خاضتها أن تفرض نفسها كلاعب إقليمي صعب وفاعل مهم من الفواعل المناهضة والمعرقلة للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة، إذ أن الاستراتيجية الإيرانية أصبحت ركائزها تقوم على مراقبة ومتابعة وتطور المنظومة العسكرية والتكنولوجية لإسرائيل، ومحاولة إيجاد منظمات مضادة تستطيع بواسطتها الحدّ من قوة المنظومات الدفاعية الجوية الصهيونية المختلفة، والتقنيات المستعملة في قطاع عزة الخاصة بتطوير صواريخ يبدو في ظاهرها أنها صواريخ بدائية الصنع، ولكن المدقق في كيفية صناعتها وسبل تطويرها يلاحظ بأنها صواريخ صممت خصيصاً للإفلات من كل الرادات الجوية والإسرائيلية المعتمدة على أخر ما توصلت إليه العقول الإسرائيلية والأمريكية في هذا المجال، بالإضافة إلى أنها استطاعت تجاوز منظمات جد متطورة للدفاع الجوي كمنظومة مقلاع داوود والقبة الحديدية، ولا يخفي القادة الإيرانيون دعمهم المتواصل لكل حركات المقاومة الفلسطينية بل يفتخرون بذلك على الملأ، كما فعل قائد الحرس الثوري الايراني اللواء حسين سلامي عند لقاءه بزيادة النخالة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي حيث صرح في مؤتمر صحفي مشترك مخاطباً اياه بقوله : ” نحن نرافقكم على هذا الطريق حتى النهاية، ولتعرف فلسطين والفلسطينيون أنهم ليسوا وحدهم “. كما ذكر موقع DW، بتاريخ 10 أوت/ أب 2022م ،في مقال بعنوان ( حركة الجهاد الاسلامي في غزة ……).
فإسرائيل تخشى من الدعم اللوجستي والعسكري والاستخباراتي الذي قدمته إيران لكل من يعادي الكيان الصهيوني ويخوض حربا ضدّه، وهذا ما بات يؤرق الصهاينة الذين استشعروا خطر التحالف الإيراني مع حركات المقاومة في اليمن وسوريا وفلسطين والعراق ولبنان، فالتسّليح الايراني لهذه الحركات والفصائل ظهر بشكل جلي في المناورات التي أجراها حزب الله اللبناني بالقرب من الجليل الأعلى بمحاذاة الحدود الشمالية مع فلسطين المحتلة، حيث استخدمت فيها راجمات الصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات والدبابات الثقيلة بالإضافة للطائرات بدون طيار والعديد من الأسلحة النوعية التكتيكية التي أثارت مخاوف الجانب الاسرائيلي إذ أفرد اعلامه مساحة واسعة لمناقشة أهداف وأبعاد تلك المناورات وفي هذا الظرف الحساس، حيث جاء بالتزامن مع التصعيد الدبلوماسي والاعلامي المتبادل بين طهران وتل أبيب، والتأكيدات المستمرة من طرف عدد من المسؤولين الصهاينة بأن إيران ستدفع ثمناً باهضاً ان هي استمرت في تطوير برنامجها النووي، وذلك رغم نفي إيران المتكرر لأية نية لديها لتحويل برنامجها النووي السلمي لبرنامج نووي عسكري، ولكن كل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد بأنها تطور برنامجاً عسكرياً سرياً لإنتاج صواريخ بالستية نووية قادرة على الوصول حتى أراضي حلفاء إسرائيل كأمريكا وبريطانيا وفرنسا، وهذا ما أشارت إليه الرسالة التي بعثها سفراء كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، والتي دعوا فيها مجلس الأمن الدولي لاتخاذ اجراءات ردعية لمنع طهران من امتلاك صواريخ بالستية قادرة على حمل صواريخ نووية، وأكدوا من خلالها بأن هذا يتعارض مع الدعوة الواردة في مجلس الأمن المصادق على الاتفاق النووي لعام 2015م مع إيران، حسب وكالة ” اسشيدتد برس” الأمريكية. كما ذكر موقع العين الإخبارية، بتاريخ 5ديسمبر/ كانون الأول 2019م، في مقتل بعنوان ( سفراء أوروبيون ، تطوير ايران صواريخ نووية ينتهك قرار مجلس الأمن).
فإسرائيل لم تعد قادرة على تحمل ما تسميه الاستفزازات الإيرانية المستمرة لها، إذ لم تستطع ايقاف عملية تطويقها الممنهج والمدروس من طرف طهران التي باتت بمثابة الكابوس المزعج لإسرائيل، وتعتبرها من أهم التهديدات الجيواستراتيجية للأمن القومي الصهيوني، وذلك بحسب ما نشره معهد واشنطن للدراسات في ورقة بحرية أعدها كل من اللواء المتقاعد غادي ايزنكوت والعقيد غابي سيبوني، والتي حملت عنوان ” توجيهات لاستراتيجية الأمن القومي الاسرائيلي” فالدراسة تعكس مدى جدية التهديد الوجودي الذي تشكله إيران على بقاء واستمرار إسرائيل التي تحضر منذ سنوات لخوض حرب طويلة الأمد مع طهران لتحجيم دورها في المنطقة واجبارها على التخلي كلية عن برنامجها النووي، ولتغيير النظام في طهران المعادي لسياساتها في الشرق الأوسط.
– كاتب جزائري
2023-06-03
