هل ستنجح فرنسا في كبح جماح الاحتجاجات ، أم ان العدوى ستنتقل الى بلجيكا وسويسرا
لا يزال الترقب سيد الموقف وخصوصًا في نانتير حيث

رنا علوان
أثارت وفاة الفتى نائل ، وهو من أصول جزائرية ، اشتباكات مع عناصر الأمن ، بعد ان أقدم عنصر من الشرطة بإطلاق النار عليه فأرداه قتيلاً ، وامتدت هذه الإشتباكات إلى مدن أخرى في جميع أنحاء البلاد ، حيث جاءت بعد أن قُتل 13 شخصًا العام الماضي بسبب رفضهم الامتثال لعمليات تدقيق مرورية ، وقد أحيت الحادثة مشاعر الغضب وعدم الثقة في الشرطة
وعلى اثر ما يجري تم اقتحام منزل رئيس بلدية لاي-لي-روز جنوب باريس ، بسيارة صباح يوم أمس الأحد ، فقد صرّح رئيسها فنسان جانبران ان ثُلة من المشاغبين اقتحموا فجرًا منزله بسيارة أثناء تواجد زوجته وولديه ، قبل إضرام النيران بهدف إحراقه
وأوضح على تويتر أن ما جرى “محاولة اغتيال جبانة بدرجة لا توصف”، بينما كان هو موجودًا في بلدية البلدة التي يقطنها زُهاء 30 ألف نسمة
وأشار مقربون من المسؤول المنتمي إلى حزب “الجمهوريين” (يمين معارض) الى أن زوجته أصيبت بجروح في ركبتها ، بينما تعرض أحد ولديه لإصابة طفيفة
ومع تزايد الهجمات على رؤساء البلديات ومسؤولين منتخبين في فرنسا ، استنكرت رئيسة الوزراء إليزابيت بورن الأحد “وقائع لا يمكن التسامح معها”، في موقف يتواقف مع موقف جزء من الطبقة السياسية الفرنسية
وبالاضافة إلى هذا الاعتداء ، أعلنت وزارة الداخلية استهداف 10 مراكز شرطة و10 ثكنات للدرك وستة مراكز شرطة ليل السبت إلى الأحد ، وتم توقيف 719 شخصًا في البلاد بتهمة حيازة ادوات يمكن استخدامها كاسلحة او مقذوفات
تخطى عدد الموقوفين 1300 ، وهو رقم قياسي منذ اندلاع أعمال الشغب الثلاثاء الفائت
ويواجه القضاء الفرنسي سيلاً من الإجراءات الجنائية التي تستهدف أشخاصا يشتبه بأنهم من مثيري الشغب ، ما يضع محاكم المدن الكبرى تحت الضغط
وكتب وزير الداخلية جيرالد دارمانان في تغريدة “ليلة أمس” أكثر هدوءًا بفضل العمل الحازم لقوات حفظ الأمن”
كما أكدت وزارة الداخلية صباح الأحد إصابة 45 عنصرًا من الشرطة والدرك بجروح ، وإضرام النيران في 577 عربة و74 مبنى ، وتسجيل 871 حريقًا على طرق
وقد عمدت الوزارة لليلة الثانية على التوالي الى تعبئة 45 ألف عنصر من قوات الشرطة والدرك ، بينهم سبعة آلاف في باريس وضواحيها المجاورة ، إضافة الى تعزيزات أمنية في مدن مثل مرسيليا وليون وغيرها من الأنحاء التي تعرضت على مدى الليالي الأربع الماضية لأعمال شغب ونهب وتخريب
وتمّ الإبلاغ عن عدد محدود من الحوادث ليل السبت الأحد في مدينتي مرسيليا وليون ، الأكبر في فرنسا بعد العاصمة
مرسيليا التي شهدت ليل الجمعة السبت حوادث كبرى وعمليات نهب ، عمل جهاز أمني ضخم ليل السبت والأحد على تفريق مجموعات من الشباب كان عددهم أقل من اليوم السابق
وقال متحدث باسم شرطة بوش-دو-رون “لا نرى على الإطلاق مشاهد النهب التي وقعت بالأمس”، مشيرًا الى توقيف 56 شخصًا بحلول منتصف الليل
وفي العاصمة ، نشرت قوة أمنية كبيرة على طول جادة الشانزليزيه بعد انتشار دعوات للتجمع منذ ليل الجمعة
وقد جالت مجموعات من الشبان الذين ارتدوا ملابس سوداء على طول الجادة تحت أعين عناصر الشرطة ، في حين عمدت متاجر عديدة إلى حماية واجهاتها الزجاجية بألواح من الخشب خشية تعرضها للتكسير كما حصل مع العديد من المحال على مدى الليالي الماضية
كما تعرض عدد من عناصر الشرطة لإطلاق مفرقعات نارية من مجموعات شباب في فينيو جنوب العاصمة
وسعيًا لضبط أعمال العنف ، فرضت السلطات المحلية في العديد من البلدات حظر تجول في المساء وأوقفت حركة النقل العام اعتبارًا من الساعة 21:00 (19:00 )
في ظل هذه الإحتجاجات ، ألغى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة دولة الى ألمانيا كان من المقرر أن تبدأ الأحد وتستمر ليومين ، بعدما اختصر أيضًا مشاركته في قمة للاتحاد الأوروبي استضافتها بروكسل وذلك نهار الجمعة
يطرح جزء من الأوساط السياسية مسألة فرض حال الطوارئ في البلاد وهي مسألة تلقى متابعة حثيثة في الخارج خصوصًا أن فرنسا تستضيف في الخريف كأس العالم للركبي ومن ثم دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس في 2024 ، ويسمح فرض حال الطوارئ للسلطات الإدارية باتخاذ إجراءات استثنائية مثل منع التجول
وقامت دول عدة بتحديث نصائح السفر لرعاياها الى فرنسا ، ودعتهم الى تجنب زيارة المناطق التي تشهد أعمال شغب
كما دعت القنصلية الصينية في مرسيليا رعاياها الى “اليقظة والحذر”، بعد تقارير عن تعرّض حافلة تقل سياحًا صينيين للرشق بالحجارة الخميس
وقد شارك المئات في مراسم تشييع الشاب السبت من مسجد ابن باديس إلى مقبرة مونت فاليريان في نانتير ، علما بأن العائلة طلبت عدم حضور الصحافيين لتغطية مراسم الوداع
كالعادة كان لمؤيدي نظرية المؤامرة حصة ، حيث غرد البعض بأن الشرارة دائمًا ما تبتدئ من فرنسا ، وأن ما يجري هو بداية الإنتقال الى مرحلة جديدة
كما ربط البعض تلك الأحداث ، بكتاب بروتوكولات بني صهيون وتحديدًا البروتوكول العاشر ، قائلًا [ فرنسا دائمًا تظهر مع بداية تطبيق مراحل بروتوكولات حكماء بني صهيون ، منذ أول تسريب له عام 1901 على يد الفرنسية يوليانة غلينكا ]
كما تم عرض مقاطع فيديو على تطبيق توتير ، [ الذي ابدى سياسة خاصة في التعامل مع الحدث ، تندرج في خانة الازدواجية للمعايير ] ، تُظهر استخدام عناصر الشرطة لدم مُزيف يضعونه على انفسهم من اجل تهويل الاوضاع امام عدسات الكاميرا
بالإضافة لعرض تصريح ( لرئيسة وزراء إيطاليا ) الذي اعتبره البعض من اقوى التصريحات ضد حكومة فرنسا ، قالت فيه ، انه لمن المقرف سيد ماكرون ان يتم تهجير الافارقة الى الدول الاوروبية ، في حين يجب تحريرها منكم ، كما ذكرت نيجير التي تستفيد فرنسا من انتاج الكهرباء من خلالها بينما هي تفتقر لها
وما لبثت وسائل الاعلام من إدعاء الهدوء ، حتى عرضت مقاطع لفيديوهات تُبيّن انتشار الإحتجاجات الى كل من بلجيكا وسويسرا ، توثق عمليات النهب والسلب للمحلات التجارية ، مؤكدين ان المشهد لن يتوقف بل سيستمر في اوروبا
وقد استذكر البعض أيضًا موقف فرنسا من الربيع العربي ، تحت عبارة ، [ هذه بضاعتكم ردت إليكم ]
فرنسا التي استعمرت بلاد شمال وغرب افريقيا ، وسرقت ذهب هذه الشعوب التي لولاها لكانت دولة مُفلسة ، فضلاً عن ان جميع اقتصادها عبارة عن مسروقات لخيرات هذه الشعوب ، تقف اليوم عاجزة في وجه رياح التغيير التي تهب على وسط وغرب أفريقيا ، وهذا بمثابة أكبر تحد تواجهه فرنسا منذ الحقبة الاستعمارية
فتحرُّر المستعمرات واستقلالها يقطع شريان الحياة الذي تعتاش وتتغذى عليه الدولة الفرنسية ، ويوقف عملية النهب لثروات الشعوب في 14 دولة أفريقية يهيمن عليها الفرنسيون بالقوة العسكرية
فرنسا التي انفردت بالسيطرة الاقتصادية على مستعمراتها من خلال تطبيقها [ لنظام نقدي هو الوحيد في العالم] فالعملة المستخدمة في المستعمرات هي الفرنك الأفريقي CFA سيفا (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية) وألزمت فرنسا في الاتفاقات التي فرضتها إيداع 65% من الاحتياطي النقدي لكل دولة في البنك المركزي الفرنسي
والجدير بالذكر أنه عندما فكر الرئيس الليبي [معمر القذافي] في عام 2011 مساعدة المستعمرات الأفريقية للتخلص من العبودية النقدية من خلال ( إصدار الدينار الذهبي ) كعملة بديلة للفرنك الأفريقي تدخلت فرنسا واستغلت الثورة الليبية ، وسبقت الناتو في ضرب جيش القذافي للقضاء عليه
وما جاء في مذكرات ( هيلاري كلينتون ) أن القذافي خصص 143 طنًا من الذهب ومثلها من الفضة لإصدار العملة الجديدة
(هذا ما دفع بساركوزي لضرب القذافي ، مع ان الاخير دعم ساركوزي في حملته الانتخابية ومولها )
أما روسيا التي وجدت [ فرصة ذهبية بدون أي تكلفة ] ، للحلول بدلاً من الفرنسيين في هذه المنطقة المليئة بالمواد الخام والثروات مثل اليورانيوم والذهب والنفط والحديد والنحاس ، فضلاً عن البعد الجيوسياسي لتطويق أوروبا من الجنوب ، تقدم المساعدة الممكنة لهم ( في معركة استعادة الإمبراطورية الروسية ضد حلف الأطلسي ومعه فرنسا )
ويظن الفرنسيون أن الوجود ( التركي في ليبيا خطر مستقبلي ) ، وان روسيا من تعمل على تثبيت هذا الوجود ، وفي حال استقراره سيكون هو البديل المفضل للتحالف العسكري من الدول الراغبة في التحرر ووضع نهاية لفرنسا في أفريقيا ، فإذا ساعدت الحكومات الجديدة بالسلاح المتطور ستجعلها قادرة على إدارة معركة الاستقلال بدون تهديد من الجيش الفرنسي
وبسبب المخاوف ، فإن فرنسا تعمل ضد الأتراك بكل طاقتها لإخراجهم من ليبيا وإبعادهم عن أفريقيا ، وحصارهم في البحر المتوسط ، وتقوم بتحريض العرب والأوربيين والأمريكيين معها في معركتها ، لكن التطورات العالمية وحرب الروس ضد الناتو في أوكرانيا قلبت الحسابات وغيرت الموازين ، وكل الدول الكبرى الآن مشغولة بنفسها وفي مقدمتهم فرنسا نفسها ، التي باتت قاب قوسين او أدنى من الانهيار
2023-07-03