هل ستنجح اميركا في وضع يدها على ممر زانجيزور ؟؟؟
رنا علوان
اقترحت الولايات المُتحدة الأميركية إستئجار ممر زانجيزور ، لمدة قرن من الزمن ، بتدفقاتٍ تجاريةٍ تتراوح بين (50 – 100) مليار دولار كل عام ، وبحسب أميركا ، فهي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة في أوروبا بعيدًا عن روسيا ، ومواجهة النفوذ المتنامي لموسكو وبكين وطهران في منطقة عبور حيوية ، كما حلِّ النزاع الذي استمر عقودًا ، لكن رغم ما تزعم فهي أيضًا تخاطر في الوقت عينه ، بإشعال بؤرة حرب باردة جديدة في القوقاز ، وإمكانيّة إحداث تغير في تدفقات الطاقة في أوراسيا تغييرًا جذريًا
يشير سيرجي ميلكونيان ، الباحث في المعهد الأرمني لأبحاث السياسات التطبيقية (APRI)، إلى أنّه يوجد تتطابق بين مصالح تركيا والولايات المتحدة حول قضية ممر زانجيزور ، كما أكّد نائب وزير الخارجية الأرميني مناتساكان سافاريان ، بدء مفاوضات استئجار ممر زانجيزور الحيوي وحسب قوله ، لا تعارض يريفان نقل إدارة الطريق إلى منظمة دولية
وأشار سافاريان إلى أنّ “هذه العملية يجب أن تتم في إطار سيادة أرمينيا وولايتها القضائية وسلامة أراضيها وإذا امتثلت لهذه المبادئ ، فيمكن تنفيذها
وتُمثّل تدفُقات الطاقة ، جزءًا رئيسيًّا من أهمية هذا المشروع ، حيث يسَّر ممرُ زانجيزور عبور (12) مليار متر مكعب من الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا سنة 2023 ، وهي تهدف إلى رفع الكمية إلى (20) مليار متر مكعب سنة 2027 ، بموجب مُذكّرة تفاهم وقعتها مع الاتحاد الأوروبي سنة 2022 ، كما تعتزم كازاخستان نقل كميات أكبر من النفط المارّ بأذربيجان ، بعد أن وصلت التدفقات الحقيقية إلى (1.2) مليون طن من النفط الكازاخستاني بين كانون الثاني وتشرين الأول من سنة 2024
وفي بعض المعلومات حول ممر زانجيزور :
فوفقًا للوثيقة ، تحتفظ أرمينيا بالسيادة على منطقة سيونيك ، ومع ذلك ، فإن الممر المرتبط بالنقل سيتم إدارته من قبل شركة خاصّة من الولايات المُتحدة ، والتي حصلت بالفعل على الترخيص اللازم
* 40% من الدخل الناتج عن استخدام الممر سيذهب إلى الولايات المتحدة ، و30% إلى أرمينيا
*بالإضافة إلى ذلك ، سيتم التحكم في الممر من قبل حوالي 1000 مُوظّف من شركة عسكرية خاصة من الولايات المتحدة
*وبموجب البروتوكول المُوّقع ، سيكون للشركة الخاصة المذكورة الحق في استخدام القوة إذا لزم الأمر لحماية الممر
-نظرة الأطراف المعنيّة الى الممر
ايران كانت ترى ان ممر زانجيزور من شأنه أن يقطع الطريق الوحيد أمامها للعبور إلى جنوب القوقاز ومنه إلى روسيا وأوروبا ، ” وأنها سوف تخسر الكثير بسبب إنشاء هذا الممر ، لذلك إعتبرته طهران تهديدًا لأمنها القومي”
أما أذربيجان فكانت ترى أن إنشاء ممر زانجيزور ، في مقاطعة سيونيك الأرمينية ، سيوفر لها الوصول الآمن والسريع إلى منقطة ناخيتشيفان المُتمتّعة بالحكم الذاتي ، خاصة أن الحدود بين أذربيجان وأرمينيا مازالت مغلقة ، وهذا يستلزم من القوافل التجارية الأذربيجانية العبور من خلال إيران للوصول إلى ناختشيفان ومن ثم الخروج منها
بالنسبة لتركيا ، فإن ممر زانجيزور ، بمثابة معبرًا آمنًا وسريعًا لربط ما يسمى “مُنظمة الدول التركية” ، وربط تركيا وآسيا الوسطى عبر أذربيجان وبحر قزوين
أما الولايات المُتحدة ومخطط (إستئجاره) ، فتكشف عن طموح واشنطن لاستغلال الفراغ النادر في النفوذ على جنوب القوقاز ، المنطقة التي هيمنت عليها روسيا تاريخيًّا ، لكنها أصبحت مُتاحة الآن ، بعد إخفاق موسكو الذريع في حماية حليفتها أرمينيا ، في أثناء هجوم أذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ في أيلول 2023
أخيرًا اهميته بالنسبة للحرب الروسية الأوكرانية ، فقد بات لروسيا مصلحة أكبر في فتح هذه الخطوط بعد أن تم قطع خطوط إمدادها نحو أوروبا ، وأصبحت روسيا مهتمة بشدة بفتح خطوط النقل عبر أرمينيا للحصول على طرق نقل إضافية مع تركيا
-المقامرة الأميركية … ماذا لو نجحت
إنَّ نجاح مبادرة استئجار الممر ، يمكن أن يسبب تغييرًا جذريًّا في حركة النفوذ الإقليمي ، ما يفسر سعي القوى المتنافسة لإعادة ضبط إستراتيجياتها … إذ تواجه إيران احتمال خسارة زُهاء (20 الى 30%) من مكانتها في النقل البري في الحدود ، بما في ذلك زُهاء (43000) شاحنة تركية … تمر كل عام في أرضها إلى آسيا الوسطى ، كما تواجه روسيا كذلك خسائر مُحتملة ، تتراوح بين (10- 20) مليار دولار في عشر سنين ، وضعفًا في نفوذها على أسواق الطاقة الأوروبية بنسبة (10-15%)
وما قد يزيد الحسابات الإستراتيجية تعقيدًا هي تركيا ، حيث تجرب أنقرة خفضَ التصعيد مع الكرد ، ما يشير إلى (إعادة ضبط شاملة) لإستراتيجيتها ، يمكّنها إرساء الاستقرار في الحدود ، ويطلق العنان للإمكانات الاقتصادية ، وإذا نجح هذا التقارب الدبلوماسي ؛ فربما يكمّل مبادرة زانجيزور ، بتهيئة بيئة إقليمية أكثر استقرارًا لمشروعات البنية التحتية الكبرى
وبالتالي ، إذا نجحت مبادرة ممر زانجيزور ، تتوقع الشركات التركية في مقاطعات شرق الأناضول زيادةً في قدرتها التصديرية بنسبة (310%)
( فهذا الزخم الاقتصادي ، يمكن أن يوفر حوافز قوية للاستمرار في التقارب الدبلوماسي ، حتى في ظل الحساسيات السياسية الداخلية )
على الرغم من الحوافز الاقتصادية القوية ، إلا انه لا زال هناك مخاطر كبيرة قائمة ، حيث يُقوِّمُ الخبراء ، احتمال تعثُر المفاوضات بنسبة (60%) ، كما أنَّ أرمينيا نفت وجود أي مفاوضات بشأن تأجير أي أرض لها ، أو نقل السيطرة عليها لأي طرف آخر ، حيث صرحت نازلي باغداساريان (المتحدثة بإسم الحكومة الأرمينية) أنَّ «أرمينيا لم تناقش ، ولن تناقش ، نقل السيطرة على أرضها السيادية إلى أي طرف ثالث»، والرفض هذا يسلط الضوء على التحدي الأساس الذي يواجه الوسطاء الأميركيين
كما يعتقد رئيس الوزراء الأرميني باشينيان أن السيطرة الأمريكية على ممر زانجيزور ستمنع العدوان من قبل أذربيجان وتركيا على أرمينيا
لكن روسيا لاعب أيضًا ولها مصالح لن توّفرها ، لذلك نجدها تضغط على أرمينيا من أجل إتمام هذا الممر ، والأخيرة تجد ذلك فرصة لتعزيز أهميتها في نظر روسيا ، بحيث تستطيع الأخيرة مساعدتها في التوصل إلى اتفاق مع أذربيجان …
وبهذه الطريقة ستتمكن روسيا من السيطرة على ممرين في وقت واحد ، أحدهما يربط أرمينيا بـ”كاراباخ” والآخر يربط أذربيجان بـ”ناخيتشيفان”، ومن ثم يزداد اعتماد الدولتين عليها
-إيران الخاسر الأكبر
مما لا شك فيه ، أن الخاسر الأكبر من وراء هذا الممر ، ستكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية … فقد حاولت الجمهوريّة على طول العقود الماضية أن تحتوي خلافاتها مع جمهوريّة أذربيجان ، لكن على ما يبدو باكو مُصرّة على تطوير هذه الخلافات ، والمجيء الى الحدود الإيرانيّة”
يرى بعض الخبراء أن “إنشاء ممر زانجيزور سيكون بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير في العلاقة بين طهران وباكو … بالإضافة الى أنه في الآونة الأخيرة كانت هناك اجتماعات مكثفة بين قادة الحرس الثوري ، والمسؤولين الأمنيين والسيد علي شمخاني ، لمناقشة الرد الإيراني في حال إنشاء هذا الممر ، و”كانت أغلب الآراء في هذه الاجتماعات تميل إلى فكرة التأكيد على سيادة إيران على حدودها ، وحمايتها لأمنها القومي ، حتى ولو وصل الأمر إلى عمل عسكري ضد جمهورية أذربيجان ، مع دراسة العواقب بالتأكيد”
تعتمد إيران بشكل كبير في نقل صادراتها إلى دول البحر الأسود ، على حدودها مع أرمينيا ، كما أن مقابل وصول الصادرات الإيرانية إلى أوروبا عن طريق تركيا ، أن تمنح طهران أنقرة وصولاً إلى تركمانستان ودول آسيوية أخرى…
لكن بإنشاء ممر “زانجيزور”، ستتجاوز تركيا الطريق البري في إيران بشكل كامل ، ما يعرض الأخيرة لخسائر اقتصادية لا تستطيع دفع ثمنها في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة
ختامًا ، اذا اتخذت أرمينيا خيارًا سيئًا ، ورضخت لإرضاء روسيا التي لم تعُد تُجييد لعب فن الممكن ، فإن أميركا ستبيع أرمينيا مقابل موقف ملائم لأذربيجان في الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران … أما تركيا فالأفضل لها في الوقت الراهن أن تنشغل بجشعها في سوريا وحصتها من التقسيم بدل الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية ، وتأجيل التوسع في آسيا الوسطى ، لأنه في نهاية المطاف لا بد للسارقين أن يتناحروا على التقسيم في المنطقة ، كيف اذا كانت السرقة في وضح النهار وعلى الملأ دون خجل
2025-07-31
