هل رجال الدبلوماسية العراقية بعد التغيير مؤهلون فعلاً لتمثيل بلد مثل العراق؟
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في كل مرة أسمع فيها اسم “العراق” يتردد في المحافل الدولية، أتساءل بحرقة:
هل هذا هو العراق الذي أعرفه؟
هل يُمثلنا حقًا من يقف هناك بربطة عنق فاخرة، ووجه خاوٍ من التعبير، ولسان لا يعرف لغتنا ولا لغات العالم؟
من نافذة الغربة، ومن عمق التجربة، ومن جراح الوطن التي لا تندمل، أكتب هذه الكلمات، لا طعنًا في أحد، ولا شماتة في وطنٍ نُحب، بل صرخة حق في وجه زمن اختلطت فيه المعايير، وضاعت فيه المقاييس.
العراق… ليس دولةً عادية
من سوء حظ العراق أنه بلد عظيم ابتُلي بمن لا يعرف عظمته.
هو ليس دولة نشأت بالأمس، ولا كيانًا طارئًا على الجغرافيا أو التاريخ. إنه العراق، مهد الكتابة، ومرقد الأنبياء، ومرتع الحضارات. بلدٌ يحتاج دبلوماسيًا يعرف ماذا يعني أن تكون ممثلًا لأرض أنجبت أول قانون، وأول حرف، وأول مدينة.
إن التمثيل الخارجي لدولة مثل العراق لا ينبغي أن يُمنح جزافًا أو بالمحسوبية. بل هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية، تفوق الوصف.
الانهيار بعد التغيير: سقوط المعايير لا سقوط النظام فقط
ما بعد 2003 كان فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس حديثة. لكن، بدلًا من أن يُعاد تأهيل السلك الدبلوماسي وفق معايير الكفاءة والخبرة والانضباط، أصبح ساحة أخرى من ساحات الغنيمة السياسية.
توزّعت السفارات مثلما تُوزع المناصب: بالمحاصصة، وبالانتماء، وبالولاء.
تخيّل أن تجد في سفارة العراق في إحدى العواصم الكبرى مسؤولًا لا يتحدث لغة البلد، ولا يعرف شيئًا عن القانون الدولي، ولا يفقه حتى الألف باء من بروتوكولات التعامل الدبلوماسي. وتخيل أن تكون سفارتك مأوىً لعائلة السياسي الفلاني، أو مكافأة نهاية خدمة لهذا النائب أو ذاك القائد.
من دبلوماسية الدولة إلى دبلوماسية الجماعة
الأخطر من الجهل هو الولاء الأعمى لغير الدولة.
فبعض السفارات لم تكن تمثل العراق كدولة موحدة، بل كانت ناطقة بلسان حزب، أو طائفة، أو زعيم. كانت تعمل وفق أجندات ضيقة، وتحمل رؤية مشوهة للعراق، لا تنسجم مع صورة الوطن الذي نحلم به جميعًا.
وهكذا، أصبح العراق في الخارج صورة مبعثرة، بلا صوت حقيقي، بلا حجة رصينة، بلا مواقف مؤثرة. فخسر كثيرًا من وزنه، وفرّط بكثير من مصالحه.
صوت الجاليات… لا حياة لمن تنادي
المواطن العراقي المغترب كان يأمل أن تكون السفارة ملاذًا، لا عبئًا.
أن تكون بيته الثاني، لا دهليزًا بيروقراطيًا موحشًا.
لكن كم من عراقي طُرد من سفارة بلاده؟
وكم من معاملة ضاعت بين فساد القنصليات ولا مبالاة الموظفين؟
وكم من جواز بيع تحت الطاولة؟ وكم من هوية زُوّرت؟ وكم من حق أُهدر؟
هذه ليست حوادث فردية، بل تجلٍّ لسقوط أخلاقي وإداري متواصل.
هل من بارقة أمل؟
نعم، هناك دبلوماسيون عراقيون محترفون، وطنيون، مثقفون، خدموا بصمت وشرف. لكنهم لا يُشكّلون بنية الجهاز، بل نُوىً مشرقة وسط حقل من الخراب.
الإصلاح ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بإرادة سياسية، وإعادة النظر في فلسفة التمثيل الخارجي. نحن بحاجة إلى:
• إلغاء المحاصصة الحزبية في التعيين الدبلوماسي.
• إعادة بناء الأكاديمية الدبلوماسية على أسس مهنية حقيقية.
• إخضاع كل المبعوثين للتقييم اللغوي والثقافي والسياسي المستمر.
• ربط السفارات بالوطن لا بالكتل.
• وتطهير الجهاز من العناصر الطفيلية والفاسدة.
في الختام:
الدبلوماسية ليست مهنة، بل مرآة.
وإذا كانت مرآة العراق مشروخة، فصورته في العالم ستكون مشوهة.
فهل يُعقل أن يكون تمثيل بلدٍ أنجبت نبوخذنصر وأبا نواس والسيّاب، بيد من لم يقرأ كتابًا، ولم يسمع باسم سومر؟
وهل يُغتفر لشعب عظيم كهذا أن يُمثله في الخارج من لا يعرف معنى التمثيل؟
يا سادة القرار: أوقفوا هذا النزيف. العراق يستحق أن يُمثله من يعرف قيمته، لا من يتكئ على نسبه الحزبي أو قربه من الدوائر. فكرامة الوطن تبدأ من سفاراته.
وإن ظلّ الحال كما هو، فلا تلوموا العالم إذا نظر إلينا باستخفاف.
البروفيسور وليد
يونيو 2025