الحديث عن دخول الجمهورية الثالثة في تونس يرتبط أساسا بشكل الحكومة القادمة التي يبدو أنها ستكون مختلفة عن سابقاتها شكلا ومضمونا، بعد أن تمسّك رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي باستقلاليتها الكاملة عن كل تيار حزبي فما هي دوافع الانتقال إلى الجمهورية الثالثة؟ وما هي أبرز ملامحها؟
1) أسباب الانتقال إلى الجمهورية الثالثة (2020)
يمكن أن نحصرها في سببيْن رئيسيين: السبب الأول، القطع مع مرحلة الانتقال الديمقراطي التي استغرقت عشْر سنوات كانت حصيلتها وأداؤها مثيرة للجدل لأنها لم تحقق ما نادى به التونسيون في 14 جانفي/ يناير 2011 من توفير للحرية والكرامة أي الشغل وحرية التعبير بشكل متلازم ومتكامل. أما السبب الثاني فهو تَوفّر الإرادة السياسية من أعلى هرم السلطة لوضع حد لحالة الترهّل التي أصبحت عليها الدولة التي لم تستطع أن تفرض سلطة القانون، ولم تستطع ضمان حُسْن سير مؤسسات الدولة كالبرلمان والعديد من المجالس البلدية، ولم تتمكن من حماية الثروة الوطنية وحسن حوكمتها.
لهذه الأسباب تحرّك المجتمع المدني بجمعياته ومنظماته ليطلب من رئيس الدولة تصحيح المسار لتفادي حالة الانهيار. فالمواطن لم يعُد يثق بوعود الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية التي أعطت المثال السيّء في عدم احترام وعودها الانتخابية وضبابية برامجها الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك تكررت النداءات الداعية إلى إعادة النظر في الخارطة الحزبية من خلال قانون جديد للأحزاب يمنع قيامها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي، وإعادة النظر كذلك في النظام السياسي والانتخابي، وإبعاد الأحزاب -إلى حين – عن المشاركة في الحكومة والبقاء في السلطة التشريعية، وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه اقتصاديا واجتماعيا عبْر تكليف حكومة مستقلة ومقتدرة للقيام بشؤون الحكم. وفي الأثناء تتفرغ هذه الأحزاب لمراجعة مُقارباتها وبرامجها وأساليب عملها. ويكون من المفيد أن تفتح الحكومة المقبلة حوارا وطنيا حول ملامح الجمهورية الثالثة ينتهي بصياغة ميثاق وطني جديد يحدد توجهاتها الأساسية.
2) ملامح الجمهورية الثالثة
إن حماية التجربة الديمقراطية التونسية المتعثرة تفرض علينا، ونحن على مشارف الدخول إلى جمهورية ثالثة، الاتفاق حول جملة من المسائل الأساسية من بينها:
– أولا: الدفاع عن الوطن والولاء له وحمايته من كل مخاطر الإرهاب وكل أشكال الفساد.
– ثانيا: دعْم التسامح والانفتاح الحضاري والحفاظ على مدنية الدولة وعدم توظيف الدين في السياسة.
– ثالثا:حماية الأمن القومي في الداخل والخارج، وحماية الثروات الوطنية وحسن التصرف فيها باعتبارها جزءا من الأمن القومي.
– رابعا:تحقيق المواطنة في كل أبعادها من خلال إقرار مبدأ تساوي الفرص لكل المواطنين لتوفير العيش الكريم وتحييد الإدارة ومساواة الجميع أمام القانون.
وأعتقد جازما أننا لو خصّصنا العشرية القادمة (2020-2030) لتجسيم هذه المبادئ لَتَمكّنّا من الإفلات من سيناريو ما يحصل هذه الأيام في بيروت، لأن ما وصل إليه هذا البلد من فوضى وتفكك للدولة كان نتيجة عدة عوامل من أبرزها الفساد والطائفية وغياب المواطنة.
البطاقة القادمة: التنمية والديمقراطية في العشريتين الأخيرتين.. وما هو دور الحكومة المستقلة في عشرية 2020-2030 ؟
أعلية العلاني- أكاديمي ومحلل سياسي – جامعة منوبة – تونس
نُشر هذا المقال بصحيفة الشروق 14/08/ 2020 (يومية تونسية مستقلة)