هل تواجه السعودية تحركات قطر للتحرر من طوق العزلة بانفتاح أكبر على الجزائر وإجراء مصالحة عميقة مع المغرب.. !
ولماذا تصف الجدار الأردني بـ “الهش” داخل كواليس قصور الرياض؟
سعد الفاعور*
في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات “السعودية-الأردنية” فتوراً شديداً منذ عدّة سنوات، فإنَّ حكّام “قصر سلوى” في الدرعية بدوا غير مرتاحين البتَّةَ لزيارة حاكم الدوحة تميم بن حمد إلى عمّان، رغم سعي المرجعية السياسية الأردنية العليا لاستباق الزيارة بتقديم جملة تطمينات إلى السعوديين.
جناح الحكم النافذ في “الدرعية” سعى إلى مواجهة تحركات قطر للخروج من طوق الحصار، بمزيد من الانفتاح على الجزائر، والسعي نحو مصالحة عميقة مع المغرب، عبر القفز من فوق الجدار الأردني الذي يبدو أنه لم يعد شاهقاً بما يكفي أو حائطَ صدٍّ يغري اللاعب الإقليمي السعودي الذي بات يصفه بـ “الهش” خلال تجاذبه أطراف الحديث مع ضيوفه الأميركيين والإسرائيليين والأوروبيين في كواليس قصور الرياض!
السعوديون سبق لهم وأن حاولوا الانفتاح على تونس، فزارها الملك السعودي سلمان عبدالعزيز، في شهر آذار من العام الماضي، أي قبل عام، كما زارها من قبل ولي عهده محمد سلمان، في طريقه لتمثيل بلاده في قمة العشرين الاقتصادية، في شهرين تشرين ثاني 2018، خلال حقبة سياسية حرجة وبالغة الصعوبة شهدها الحكم السعودي، الذي كان يواجه إدانة دولية واسعة لجريمة خطف وتصفية عميل المخابرات السعودي المنشق، والصحفي لاحقاً، جمال خاشقجي، الذي كان شديد القرب من دوائر صنع القرار السعودي، بفضل عمله عن قرب مع مدير المخابرات السعودي السابق تركي الفيصل، خلال ما تسمى حقبة الجهاد الأفغاني في كابول ضد السوفييت، ومن ثم انتقاله للعمل معه أيضاً في سفارة الرياض بواشنطن بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ولاحقاً في سفارة الرياض في لندن، بعدما قررت واشنطن أن الفيصل غير مرغوب فيه ويجب استبداله، بسبب تصريحاته العلنية لوسائل الإعلام عن دور المخابرات الأميركية والسعودية في تسليح وتدريب عناصر القاعدة في افغانستان، مما تسبب بحرج كبير للحكومة الأميركية أمام الرأي العام الدولي.
تدفقات المال السعودي التي صاحبت تلك الزيارتين، كما رشح في تقارير دبلوماسية وصحفية عديدة، لم تنجح في وقف عجلة الانتقال الديمقراطي في تونس التي كانت عجلة المال القطري قد سبقت إليها، إلى جانب الحضور السياسي التركي البارز كرافعة لحزب النهضة بقيادة راشد الغنوشي، ناهيك عن العداء الفطري لليسار التونسي للمد الوهابي، وربما تفضيله المد الإخواني “التركي-القطري” ذو الصبغة العلمانية والمدنية على الوهابية السعودية، مما أفقد السعوديين ثقلهم كلاعب مؤثر في ساحة القيروان التي بدت مشدوهة بالحضور التركي أكثر من انجذابها للعباءة الوهابية التي قرر من يرتديها في السنوات الأخيرة ألا يظل حبيسا لـ “البشت” الذي ارتداه ذات لحظة الإمام محمد بن عبدالوهاب وهو يبرم بيعته للأمير محمد بن سعود، فيما يعرف وفق الأدبيات الوهابية بـ “ميثاق الدرعية” الذي من خلاله بشر ابن عبدالوهاب ابن سعود بـ “العز والتمكين” ليفرض سطوته على قبائل شبه الجزيرة العربية المتناحرة.
يبدو السعوديون اليوم في سباق مع الزمن في محاولتهم استمالة الجزائر حتى لا تصبح تونس أخرى، أي أرض عربية خارج حسابات الدبلوماسية والمال والنفوذ السعودي الأمني والسياسي. فالجزائر ميدان يتسابق إليه السعوديون والقطريون والأتراك بحكم موقعها الجغرافي المشرف على الساحة الليبية، حيث تخوض الرياض وأنقرة والدوحة وأبوظبي والقاهرة حرب كسر عظم، لتثبيت النفوذ.
الرياض تبدو مستعدة لدفع ثمنٍ باهضٍ لإخراج الأتراك ومعهم القطريين من الساحة الليبية التي تأمل أن تصبح ورشة إعادة إعمار تستأثر بها بالشراكة مع المصريين والإماراتيين لانعاش اقتصاد الدول الثلاثة المتعثر بالتعاون مع الحلفاء الأميركيين والأوروبيين، ونافذة الرياض لتحقيق هذا الهدف هي الجزائر.
الرياض تغازل جزائر العهد الجديد بهذه الورقة المربحة، بوصفها “الجزرة” التي تمدها السعودية بتكليف أميركي إلى حكام الجزائر الجدد لانتشال الجزائر من التباطؤ الاقتصادي الذي يضرب عاصمة المليون ونصف المليون شهيد، من جهة، ومن الجهة الأخرى لتحذيرها من حسابات خاطئة –وفق المنظور “الأميركي-السعودي” قد تجلب عليها عشرية سودءا جديدة تحت مسمى النسخة الثانية من مظاهرات الربيع العربي، إن قررت اغضاب الأميركيين، لا سيما في ظل تعثر قطاع النفط الجزائري، وقدرة الغرب بالتعاون مع السعوديين على اجهاض القطاع بالكامل كما فعلوا من قبل في ليبيا عندما أغضب الرئيس الراحل الشهيد معمر القذافي السعوديين والأميركيين!
الجزائريون حتى اللحظة، يعيشون حالة عدم توازن، فالحكم الجديد يعاني من ورثة عبدالعزيز بوتفليقة الثقيلة، وتنازع على مراكز النفوذ. فدوائر التأثير في “الشانزليزيه” ترفض أن تخرج الجزائر من تحت مظلة الفرنسيين، بينما الأتراك والقطريون يحثون رجل الجزائر الجديد عبدالمجيد تبون، للتخلي عن المظلة الفرنسية واستبدالها بالأميركية، وهو نفس العرض الذي تقدمه الرياض برافعة إماراتية مصرية إلى تبون، الذي لم يتمكن بعد من فرض سطوته على الجيش والبرلمان ومجلس الوزراء، ولا زال حائراً أين يضع بيضه، في سلة الأتراك والقطريين أم في سلة السعوديين ومن خلفهم الإماراتيين والمصريين، وكيف تكون أميركا راضية أكثر عن العهد الجديد!
في الجزائر، يبرز تيار جديد يسعى للتخلي عن إرث العروبة الذي ميز بلد المليون ونصف المليون شهيد لحقبة طويلة من الزمن. تيار يطالب بتسريع خطط الانفتاح على الغرب والتخلي عن النمط الاشتراكي واستبداله بنمط رأسمالي. هذا التيار يميل أكثر إلى التقارب مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل معسكر (قطر وتركيا) على درجة واحدة مع معسكر (السعودية-الإمارات-مصر)، بالنسبة للتيار الجزائري الجديد.
كلا المعسكران (التركي-القطري) و(السعودي-الإماراتي-المصري)، يدوران في الفلك الأميركي، لكن مشكلة الجزائر تكمن في أجندة كل معسكر في الساحة الليبية. الجزائر تدرك أن التنافس بين المعسكرين على الاستئثار بالجزائر هو في حقيقته سعي للاستئثار بالجزائر كحليف لأحد المعسكرين في ليبيا. فماالذي ستختاره الجزائر في ليبيا؟ هو السؤال المؤرق للسعوديين، خاصة أن أميركا ترتبط بثقل خاص ومميز مع كلا المعسكرين، مما يؤهل أي منهما ليكون رافعة للجزائر الجديد للولوج إلى عصر الرأسمالية بديلاً عن حقبة الاشتراكية!
الرياض بدت كما لو أنها حققت اختراقاً في الجبهة الجزائرية على حساب الأتراك. فأول زيارة رسمية للخارج يقوم بها الرئيس تبون كانت الأربعاء الماضي 26 شباط 2020 إلى السعودية، رغم أن حاكم الدوحة تميم حمد، استبق الأمر بزيارة الجزائر ولقائه الرئيس الجديد وعقده مباحثات ثنائية معه، بعد زيارته إلى الأردن.
رجح من كفة تحقيق الاختراق السعودي، نشوب خلاف ظهر إلى العلن مطلع شباط الماضي بين الجزائر وتركيا على خلفية تصريحات نطق بها الرئيس التركي رجب إردوغان، إدعى خلالها بأن رئيس العهد الجديد في الجزائر بحث معه تفويض تركيا بإثارة ملف الجرائم الفرنسية في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما سارعت الرئاسة الجزائرية إلى نفيه، مما وضع العلاقة الثنائية بين الجزائر وأنقرة أمام أفق مسدود مشوب بعدم ثقة!
وبينما عيونهم ترنو صوب الجزائر لئلاً تقع في شباك الأتراك والقطريين، يتفطن حكّام قصر سلوى في الدرعية أيضاً إلى الإهمال الشديد الذي شاب علاقتهم بحكام الرباط، الذين تخلت عنهم الرياض في صراعهم مع “سكان الصحراء”، وفي سعيهم لاستضافة بطولة كأس العالم، حيث سجلت آنذاك تصريحات أطلقها المستشار تركي آل الشيخ، عدتها الرباط عدائية، ما دفع عاهل المغرب محمد السادس إلى سحب قواته الجوية والعسكرية من التحالف الذي تقوده السعودية في العدوان على الشعب اليمني الشقيق، بينما قابلت الرياض خطوة الرباط، بوقف الملك السعودي زياراته السنوية شبه الماراثونية إلى المغرب بوصفها وجهة ملوك آل سعود السياحية المثلى، ما حرم الخزينة المغربية من مليارات الدولارات التي كان ينفقها الملوك السعوديون وحاشيتهم سنوياً خلال إقامتهم لعدة شهور في جبال أطلس المغربية.
التسريبات تشير إلى جدية الرياض في سعيها صوب كسر الرتابة التي اعترت علاقتها بالرباط، وهي ستسعى لتكريس علاقة قوية مع الجزائر لخدمة الرباط في ملف “البوليساريو” ومحاربي الصحراء الذي تتنازع النفوذ عليه المغرب والجزائر.
هناك مبعوثون رفيعون، بحسب التسريبات، أوفدهم حكام قصر سلوى لاسترضاء الملك محمد السادس، عبر رسائل ترضية سياسية واقتصادية لضخ استثمارات سعودية ومنح تأشيرات للقوة البشرية المغربية، فيما ترشح بعض المعلومات بأن السعوديين نجحوا في كسر حالة الجمود مع عاهل المغرب محمد السادس، ويدلل على ذلك اللقاء الذي تم الأربعاء الماضي في قصر ولي العهد السعودي، ابن سلمان، الذي استقبل مستشار العاهل المغربي فؤاد عالي الهمة، بعد شبه قطيعة دبلوماسية غير معلنة بين الرياض والرباط دامت عدة سنوات.
وكالة الأنباء الرسمية السعودية اكتفت بالإشارة إلى أن المستشار المغربي حمل رسالة شفهية إلى ابن سلمان، لكن وفق العرف الدبلوماسي السائد بين الأنظمة العربية، فإن الأنظمة وبغية التدليل على حميمية العلاقات الثنائية فيما بينها، تكتفي بتبليغ رسائل شفهية عبر وسطاء مقربين ونافذين، بديلاً عن وثائق ومراسلات رسمية مكتوبة!
أردنياً، تبدو عاصمة “الأنباط” محاصرة سعودياً بشكل غير معلن، ويتم تقديم الماء والغذاء لها، عبر دفعات وبضوء أخضر أميركي مشروط، بما يذكر بحقبة كوبونات النفط العراقية والحصص الغذائية المقوننة إبّان حقبة حكم صدام حسين الأخيرة.
وهو ما يقرأه المحلل والمراقب السياسي على أنه تأكيد بأن عمّان لم تعد لاعباً إقليمياً مؤثراً أو قادراً على قيادة السرب “الخليجي-العربي” كما في الحقب الماضية من ستينيات وسبعينيات وثمانينات القرن الماضي وحتى مطلع التسعينيات، بعيد غزو الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الكويت واحتلالها ومحاولته الإطاحة بنظامها السياسي.
عمّان بجبالها السبعة، وجدائلها المرخية فوق الكتفين، لم تعد أول من تلامس الشمس جبينها في غزل الصباح المشروع، ولا حتى أول من يقرع مقسمها الهاتفي اتصالات عواصم القرار الإقليمية والدولية وفق أدبيات البراغماتية السياسية التي تبيح المحظور في حراك العواصم السياسي.
عمّان المدرج الروماني، وجبل القلعة، والجسور السبعة، لم تعد أيضاً “رجل بريد المنظومة العربية الخليجية إلى البيت الأبيض” كما كان عليه الحال إبّان حقبة الملك الراحل الحسين بن طلال، بسبب ارتدادات حرب الخليج واجتياح العراق للكويت، وانحياز الأردن الخاطئ بحسب تعبير رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارجريت تاتشر التي قالت “اختار الأردن الوقوف إلى الجانب الخاسر” وهو يدفع ثمن موقفه.
الملك عبدالله الثاني، يواجه ضغوطاً إقليمية ودولية عديدة، يكتفي المسؤولون الأردنيون عند الحديث إليهم بشأنها، بالإشارة إلى موقع الأردن الجيوسياسي، وتوسطه حزاماً نارياً من كل الجهات. أما في الجلسات الخاصة، فيستفيض المسؤولون الكبار في الإشارة إلى مستوى التعقيد الذي يشوب علاقة الأردن بجيرانه.
الانفتاح شرقاً، وفق الاشتراطات الأميركية محكوم بالتعامل فقط مع الأطراف السياسية العراقية التي تحظى برضا الجانب الأميركي، وهي حتى اللحظة جهات لا تملك أغلبية في الشارع ولا أغلبية برلمانية، ونظام المحاصصة العراقي الذي كرسه دستور بول بريمر لا يسمح للكتلة السياسية الأميركية بلعب دور فاعل في انجاز أي اتفاق مع الأردن دون رضا الشركاء العراقيين الآخرين الذين يرتبطون بعلاقة عميقة وفاعلة مع الجانب الإيراني.
هنا يبرز الفيتو الأميركي ويسقط الخيار الأردني بالانفتاح شرقاً، فتتدخل القطارة الأميركية لتزود الأردن ببضعة آلاف من براميل النفط العراقي عبر قوافل شحن برية بتكلفة حماية باهظة برية وجوية لتأمين وصول الإمدادات إلى مصفاة البترول الوحيدة، مما يعكس هذه التكلفة الباهظة على قيمة فاتورة كهرباء المواطن البسيط، تحت بند “فرق أسعار الوقود”!
البند الذي ما يزال يحير 95% من الأردنيين بما فيهم خبراء الاقتصاد، في ظل عدم كشف الرسمي الأردني حقيقة هذا البند، الذي تارة يوصف بأنه فرق ناجم عن التبخر، وتارة بسبب فرق صرف سعر العملة الدولي في ظل تأرجح معادلة السعر والطلب تبعاً للارتفاع والانخفاض في أسعار النفط، رغم أن الحكومة تعهدت سابقاً في حال انخفاض سعر برميل النفط دون 56 دولارا، عدم تضمين فاتورة الكهرباء بند فرق أسعار الوقود، وهو التعهد الذي للأسف لم تلتزم الحكومة بالوفاء به!
الأردن في فترة مضت، سعى بقوة، وبجهد كبير لتحقيق اختراق وتماس مباشر مع الجار الجنوبي. لكن اشتراطات النظام السعودي كانت قاسية جدا على صانع القرار الأردني. إحدى تلك الاشتراطات، بمعزل عن الطلب بشكل مباشر وعلني من الأردن المشاركة بالجهد الحربي في العدوان العسكري على الشعب اليمني الشقيق، وكذلك الانخراط في دور عسكري فعلي وكبير على الأرض من جهة الجبهة الجنوبية للجارة الكبرى الشقيقة سورية، هو أن يتم تسمية رئيس وزراء في الأردن، يمثل انعكاساً للسياسة السعودية!
السعوديون، وفق التسريبات، أصروا على ذلك الطلب، ولوحوا للأردن وقتها بـ “جزرة” صندوق الاستثمارات السعودي برأسمال 3 مليارات دولار، وكان عرابه الدكتور باسم عوض الله، الذي عين بإرادة ملكية مبعوثاً خاصاً إلى السعودية، ليتم لاحقاً إقالته من المنصب، فيما بدا أنه يأس رسمي أردني من أي دور اقتصادي سعودي حقيقي يمكن أن يسهم في منح الأردن رافعة تنتشله من أزمته الاقتصادية الخانقة.
قرار الملك بإقالة مهندس برنامج التحول الاجتماعي والاقتصادي باسم عوض الله، الذي يفتقد القاعدة الشعبية بين الأردنيين، بسبب النهج الذي تبناه وأدى إلى بيع أصول الدولة، تزامن مع تصريحات علنية أدلى بها الملك الأردني في وقتها وقال فيها “لن نعتمد إلا على أنفسنا فلن يساعدنا أحد”!
تصريحات الملك قرأها المراقبون آنذاك بأنها إدراك فعلي واعتراف صريح بأن السعودية قررت رفع غطاءها الاقتصادي عن الأردن، خاصة بعد أن انهالت مئات المليارات السعودية والإماراتية على مصر الشقيقة، مع مصاحبة تلك المليارات زيارات سياسية قام بها الملك السعودي وولي عهده إلى القاهرة، في حين اكتفت الرياض في وقتها بإيفاد ولي العهد ابن سلمان للقاء الملك عبدالله الثاني في زيارة خاطفة وهو على سلم الطائرة في مطار العقبة خلال عودته من القاهرة إلى الرياض، في إشارة إلى فتور كبير في العلاقة السياسية، وعندما قرر العاهل السعودي زيارة الأردن، تسربت معلومات بأن حكام قصر سلوى اشترطوا استبعاد رئيس الوزراء آنذاك، عبدالله النسور، عن تشكيل وفد الاستقبال الرسمي الأردني، بسبب تصريحات أطلقها النسور في وقتها وأغضبت السعوديين، عندما تحدث عن الثمن الباهض الذي سيتكبده النظام السعودي للانفاق على منظومة الأمن في حال تم اضعاف النظام الأردني أو السماح بسقوطه، في تصريحات بدت كما لو أنها اتهام مبطن بتآمر خفي سعودي لإضعاف الأردن!
المرجعية السياسية العليا الأردنية، شعرت بالضجر، خاصة بعدما قيل إن حواراً جرى داخل قصر الملك السعودي سلمان عبدالعزيز والعاهل الأردني، عبر فيه السعوديون صراحة للملك بضرورة أن يكون هناك رئيس حكومة أردني يتبنى الملفات السياسية والأمنية السعودية في دول الإقليم، سورية، لبنان، العراق، وأن يتقاطع معها بشكل مباشر، دون تسويف أو اعتراضات من قبل جنرالات الجيش، الذين لم تكن السعودية راضية عن دورهم في تسليح الميليشيات وتدفق الإرهابيين إلى الداخل السوري.
التسريبات تكشف أن أحد الحضور في القصر السعودي قال بصوت جهوري يتنافى مع بروتوكول لقاءات الزعماء، إن الأردن طوال عهده اعتاد أن يكون فيه رئيس وزراء محسوب على سورية في حقبة سياسية ما، وأن يكون فيه رئيس وزراء محسوب على العراق في حقبة أخرى، في إشارة من المتحدث السعودي على ما يبدو إلى رئيسي الوزراء السابقين، زيد الرفاعي، الذي كان يرتبط بعلاقات مميزة مع دمشق، وكذلك رئيس الوزراء مضر بدران الذي امتلك شبكة علاقات واسعة مع عراق صدام حسين.
الجانب السعودي بحسب التسريبات أصر على مطالبته الجانب الأردني بمنح السعودية معاملة تفضيلية عبر تسمية رئيس وزراء يكون محسوباً على الرياض. في الوقت الذي كانت فيه المخابرات الأردنية ترصد تحركات غير محبذة للأمير السعودي خالد بن فيصل بن تركي، ابن اخت الملك سلمان. قيل إن هذه التحركات أغضبت عمّان، التي طلبت من الرياض على ضوئها سحب خالد بن فيصل بصمت من الأراضي الأردنية!
خالد بن فيصل، الذي كان يشغل منصب سفير الرياض لدى البلاط الهاشمي الأردني، جرى رصده وهو يتواصل مع أطراف أردنية تشارك في الحراك الشعبي المطلبي، ومع بعض رموز المعارضة الداخلية، وسعيه لمنح هذه الشخصيات وبعضها شيوخ عشائر وبعضها الآخر جنرالات عسكريين متقاعدين، تأشيرات خاصة للعمرة والحج مع تأمين تذاكر السفر وتكاليف الإقامة.
زاد من تدهور العلاقة “الأردنية-السعودية” ما سربته مصادر مطلعة عن لقاء فاتر قوبل به الملك عبدالله الثاني من قبل نظير السعودي، خلال تزعم العاهل الأردني رئاسة الجامعة العربية، حيث طار إلى الرياض فور نشوب الخلاف “السعودي-القطري” مبدياً رغبته بلعب وساطة لحل الخلاف، لكن الرد السعودي لم يكن متوقعاً، وقيل بلهجة تخلو من الدبلوماسية!
آخر العقبات التي اعترضت مسيرة الدفء الثنائي في علاقات “الرياض-عمان” كان ما تسرب عبر دوائر برلمانية، تحدثت بشكل علني عن سعي أطراف لسحب البساط من تحت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي المعركة التي يتداول بين الأوساط السياسية أن رئيس مجلس النواب الحالي عاطف الطراونة يدفع ثمنها بسبب تصديه لاقتراح تقدم به الوفد البرلماني السعودي، ورفض ادراجه ضمن مسودة البيان الختامي!
على الرغم من كل تلك المعطيات، ظل كبار مسؤولي الدولة الأردنية وعلى الدوام يؤكدون بأن “العلاقة ما بين عمّان والرياض سمنٌ على عسل” إلا أن الواقع وتسريبات الصحافة الغربية كانت تشي بغير ذلك. كما أن الكثير من المؤشرات والمعطيات التي يرصدها المراقب والمحلل بسهولةٍ، دون عناءٍ أو تكلف، تؤكد أن مسننات مقاسم الاتصال بين حكام قصر سلوى في الدرعية السعودية وحكام مدينة الأنباط الأردنية معطلة ويشوبها كثيرٌ من صدأ الشك والريبة في نوايا كل طرف تجاه الآخر!
* سعد الفاعور، كاتب وصحفي وباحث في القضايا السياسية والدينية – من الأردن.
2020-03-02