بقلم .. أمجد إسماعيل الأغا. في العشرين من كانون الثاني عام 2017، وصل دونالد ترامب إلى زعامة البيت الابيض، ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وُجّهت له الكثير من الاتهامات، أبرزها الفوز بالانتخابات ممثلاً عن الحزب الجمهوري، أمام غريمته من الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وذلك بعد تدخل روسي أثمر عن فوزه. الجديد في سياق الاتهامات، جاء عبر رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، التي فجرت قُنبلة سياسية قد تُطيح بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. بيلوسي أعلنت عن فتح تحقيق قد يفضي إلى عزل ترامب، وذلك على خلفية شكوى رسمية تتهمه بطلب المساعدة من جهة أجنبية للإضرار بمنافس سياسي محلي، وهي تهمة تشتمل على خروقات جنائية قد تصل إلى حد “الخيانة العظمى” بحسب الدستور والقوانين الأميركية. ووفقاً لـ بيلوسي وبيان قرار فتح التحقيق الذي صوت لصالحه 235 نائباً من أصل 435، فإن موظفاً في الاستخبارات الأميركية تقدم بشكوى رسمية إلى لجنتي الاستخبارات والشؤون القضائية في مجلس النواب الأميركي، تفيد بأنّ ترامب قام في تموز/ يوليو الماضي، بمساومة عبر الهاتف مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي على مساعدات أميركية مجمّدة بقيمة 400 مليون دولار، في مقابل فتح تحقيق بشأن مخالفات مالية لرجل الأعمال هنتر بايدن، ابن جو بايدن نائب الرئيس السابق، والمرشح الديموقراطي المحتمل أمام ترامب في انتخابات الرئاسة. وإذا ثبت أن ترامب طلبَ، أو حتى ألمحَ، لنظيره الأوكراني بإجراء كهذا، يكون قد انتهك الدستور الأميركي بمخالفة القسم الرئاسي، بالإضافة إلى اتهامات أخرى، يصل أقصاها إلى “الخيانة العظمى”، وأدناها استغلال السلطة والنفوذ للتلاعب في الانتخابات. الواضح أن هدف الديمقراطيين الجوهري في هذه المرحلة، هو الضغط على الناخب الأمريكي لتعديل موقفه من ترامب، بُغية اسقاطه في الانتخابات المقبلة، خاصة أن اجراءات المساءلة قد تستغرق وقتاً طويلا، مما يعني أن ترامب سيبقى في منصبه إلى نهاية ولايته الحالية. في هذا السياق، ومن أجل بدء المساءلة ضد ترامب، وإقالته من منصبه، يجب أن يدعم ذلك ثلثا الأصوات في مجلس الشيوخ. ولكن أغلب نواب مجلس الشيوخ من الجمهوريين، أي الداعمين لترامب. وفي حال دعموا قرار إقالة ترامب فإن ذلك سيصبح انتحارا سياسيا بالنسبة لهم. إضافة إلى ذلك، فأنه لا يوجد دليل ملموس يؤكد أن ترامب مُذنب، وكل المزاعم لا تثبت تورطه مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي. وبالتالي بات واضحاً ان هذه الاجراءات و الاتهامات وتحديداً في هذا التوقيت، هي من أجل المس بصورة ترامب قبل الانتخابات، الأمر الذي قد يزيد من احتمالات فوز جو بايدن، الذي يراهن عليه معظم الديمقراطيين. وعلى الرغم من أن بايدن ليس الشخص الوحيد المستعد لتحدي ترامب، إلا أن المبادرين باتهام ترامب والسعي لإقالته يعتقدون أنه لن يكون من السهل على الأمريكيين التصويت لصالح الرئيس الذي أُعلن ضده مثل هذا الإجراء. الصحافة الأمريكية رصدت الكثير من مواقف ترامب، والتي سُجلت في إطار مخالفة الأعراف والتقاليد السياسية والبروتوكولية، إضافة إلى إخفاقه مرات كثيرة في اتخاذ القرارات. من جُملة الأخطاء التي ارتكبها ترامب، وصفه دول العالم الثالث بـ”الدول القذرة”، في اجتماع حول الهجرة مع أعضاء مجلس الشيوخ، في يناير 2018، وهو ما أثار ضجّة وردود فعل واسعة ضده، كما أن استخدام ترامب لموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” للإعلان عن الكثير من قراراته وسياساته من الأمور المستغربة التي لم يُقدم عليها أي من الرؤساء السابقين، فضلاً عن الساسة الأمريكيين البارزين. فضلاً عن هذا نشر ترامب الكثير من التغريدات التي تحمل هجوماً حاداً على مسؤولين سابقين وصف بعضهم بـ”الكلب”، ووصف الممثلة ستورمي دانيالز بـ”وجه الحصان”. الإشارة في هذا السياق إلى ما رصدته الصحافة الأمريكية، يأتي بمُجمله في إطار السُخط على ممارسات ترامب. وعليه ستُضاف هذه الوقائع إلى معركة بيلوسي الرامية إلى توليد رأي عام ضد ترامب، وليكون نقطة انطلاق يُبنى عليها في الانتخابات القادمة. هذه الُمعطيات، تُرجمت حالة من السخط في المجتمع الأمريكي، لكن في مقابل ذلك فقد تمكن ترامب من تعزيز موقفه على مستوى السياسة الداخلية، خاصة أن تقرير مولر لم يؤثر عليه بطريقة سلبية. فقد حشد الرئيس دعم المجمع الصناعي العسكري والحزب الجمهوري والمحافظين الجدد، على الرغم من استقالة بولتون في إدارته. “السلاح النووي بين الأسلحة السياسية”، هو توصيف أطلقه عضو مجلس النواب جيم هايميس، في سياق الإجراءات لعزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يعني أن هذا الاجراء يُمثل خطراً غير مسبوق سيواجه ترامب، ويعد بمثابة نقطة مفصلية للمعركة الدائمة بين الجمهوريين والديموقراطيين. هذا الأمر يُمثل جوهر الاستقطاب داخل المؤسسات الأميركية، ما يعني أن الاحتمالية الأقرب لما حدث وسيحدث هو لجم ترامب عن أية قرارات تنفيذية من شأنها تعزيز موقفه الانتخابي أمام مؤيديه. نانسي بيلوسي حددت عناوين معركتها مع دونالد ترامب، وذلك حين اقتبست مقولة جورج واشنطن في معرض كلمتها المُتلفزة، حين سُئل عن ماهية نظام حكم الدولة الوليدة: ملكية أم جمهورية؟ فأجاب أن “نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية جمهوري طالما حافظتم عليه”. وعليه بات واضحاً ان بيلوسي تسعى إلى استكمال معركتها ضد ترامب، لكن مناخ التوقيت السياسي في واشنطن، إضافة إلى حالة الاحتقان السياسي في الداخل الأمريكي، كلها وقائع تشي أن هذه المعركة قد تتجاوز الكونغرس، وحتى أن صناديق الانتخاب قد لا تستطيع تأطير هذه المعركة في ظل حالة الاستقطاب السياسي في واشنطن. بقي أن نقول، بأن نانسي بيلوسي وعلى الرغم من الاتهامات التي وجهتها لـ ترامب، إلا أنها لفتت إلى أن اتخاذ خطوة لبدء إجراءات عزل الرئيس قبل انتخابات 2020 تحمل مخاطر سياسية، خاصة أن مثل هذه الخطوة لن تمر في مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه الجمهوريون. وقالت إنها تفضل مواصلة التركيز على تثقيف عامة الناس من خلال المحاكم وتحقيقات الكونغرس “لتوصيل الحقيقة والواقع إلى الشعب الأمريكي”، بدلاً من القفز إلى عزل الرئيس. بعد ذلك . هل ستتمكن نانسي بيلوسي من عزل دونالد ترامب؟. 2019-10-04