تراجع ترامب، والقطيع، والترقيع!
اضحوي جفال محمد*
سادت موجة واسعة من التفاؤل عندما أعلن ترامب أنه سيضرب ايران ضربة غير مسبوقة. وانتعشت الآمال مرة أخرى متساميةََ على التآكل الخطير في مصداقيته بعد عشر تراجعات سبقتها. فالقطيع يتشبث بكل ما يدغدغ عواطفه الصدئة بغض النظر عن نصيبها من العقل. مثل بائعي أسطوانات الغاز يدورون طوال النهار بعربات متآكلة الإطارات، معتمدين على قرب مسافة الرحلة التي تسمح باستبدال الاطار التالف بآخر على وشك التلف عند كل مطب طالما ان الرحلة ليست إلى القمر.
فرتع في حقل الوعود الترامبية يجتر سفاسفه. وتماشياً مع حجم الوعيد الجديد سارع القطيع لإضافة أبعاد طائفية للجولة القادمة مستنبطة من الجو العام والخيال الجمعي وأوامر ترامب للجولاني بدخول لبنان والقصف (السعودي) للعراق ودخول نتنياهو إلى البيت الأبيض من الخلف. فلما اكتملت اللوحة الوردية وانتقل العد العكسي من الايام والساعات إلى الدقائق والثواني خرج ترامب بوجه متجهم ليقول انه ألغى الضربة حرصاً على مستقبل العالم.. ما شاء الله على الانسانية الابستينية المتفجرة!.
فرح كثيرون على امتداد العالم، وصُدم اثنان فقط: الكيان الصهيوني وقطيعنا السرحي. ولعل نكبة القطيع كانت أشد، ذلك لأنهم مثل ترامب وضعوا كل بيضهم في سلة واحدة يحملها عفريت. ولولا ذلك ما استحق القطيع منّا تسمية (قطيع).
في الساعات الاولى من الخيبات المزلزلة يهرع الخائبون إلى اقرب شيء لأيديهم يعالجون به الانهيار النفسي.. يركضون إلى الباب او يصرخون بلا كلمات او يضعون وحلاً فوق الرؤوس لإطفاء لهيب الجمجمة. فكان أقرب شيء لأيديهم خبرٌ يقول ان تراجع ترامب جاء بعد تلقيه اتصالاََ هاتفياََ من محمد ابن سلمان!! الحمد لله برداً وسلاماً فالذي فرض عليه النكوص هو السعودية وليس ايران.
للوهلة الاولى بدا التعليل ناجعاً في تهدئة القلوب الحرى، فالرقعة منسجمة مع الرداء الأحمر، فركنوا اليها وانتشرت انتشار النار في الهشيم. تذاع كانتصار. فهل هم راضون عنها فعلاً؟. الحقيقة أنهم مثل فتاة ارتدت ثوباً جديداً زاهي الألوان، بهرها زخرفه لبرهة لكنها حين واجهت المرآة صارت تلمح فيه عيباً كلما استدارت إلى جهة. فأن يكون ابن سلمان منقذاً لنظام الملالي من قدر محتوم أمر يستحق التوقف عنده كما يتوقف العصفور حيال جحور الثعابين. ان ابن سلمان ومنذ عقد ونيّف هو معقد الامل لدى افراد القطيع بأن يقود الجموع ضد عدو الامة الطائفي لا أن يلقي له قوارب النجاة. فكيف حصل هذا؟ وماذا قال لترامب في المكالمة الساحرة التي جعلت ذلك المتعجرف يصغي لأول مرة لحاكم عربي ويحترم رأيه، على افتراض انه طلب منه عدم ضرب ايران كما تزعم الرواية التي اقتُنصت على عجل ليس لأنها مقنعة بل لأنهم لم يجدوا غيرها في لحظة الشدة.
الاكيد أنهم الآن واجدون في صدورهم موجدة متقيحة على هذه المبادرة المأساوية، ولا يستطيعون البوح بصديد الأرواح كي لا يضيفوا ملحاََ إلى الجرح. فالمصريون يوم خرجوا بالملايين يوم 9 حزيران لثني عبد الناصر عن (الاستقالة) لم يفعلوا ذلك من عقول ترى أنه جدير بالبقاء، وانما بمشاعر تفوق الفراغ الذي سيتركه. كذلك ان يقول القطيع اليوم ان ابن سلمان بات حارساً للمرمى الايراني يدفع الأنظار تلقائياً للتفتيش عن قائد غائب للمسيرة الطائفية المتعثرة، إذ ليس في الساحة بديل عملي سوى نتنياهو الذي تتحاشى الكلمات المتقاطعة إنزاله في الفراغ رغم الارتسام التلقائي لحروف اسمه.
ولأن الانفعال يتراجع والتفكير يتقدم بدأت الاسئلة تتوالى: لماذا فعل ابن سلمان ما فعل؟ هل خشي ان تزول ايران ام خشي ان تصمد؟ النوعان من الخشية مريران لذلك تلقى الاسئلة صوب قارضة الأوراق تهرباََ من الاجوبة الكئيبة.
أنا لا ادري ان كان التراجع الترامبي نتيجة لاتصال ابن سلمان او لغيره، فالخبر جاء من غير تفاصيل. وفي كل الاحوال هو فرضية افترضها القطيع كرقعة للثقب الأسود الذي خلّفه التراجع، او كعزاء آني للخيبة المدوية. لكن دعونا نوافق عليه، جدلاً، ونبني فوقه فرضية اخرى نستنبطها من الواقع لا من التكهنات. فقبل مكالمة ابن سلمان مجهولة التفاصيل مع ترامب كانت هناك مكالمة لوزير خارجيته مع وزير خارجية ايران أُذيعت تفاصيلها وهي قائمة باسماء الاهداف التي ستضربها ايران في دول الخليج والأردن وإسرائيل إذا نفذ ترامب هجومه. طبعاً لا تحتمل قلوب القطيع المرهفة فكرة ان الخليج خاف من التهديد الإيراني فطلب من ترامب التراجع. اذن فلنقل ان الخوف على مصير الانسانية هو الذي جعلهم يتهاتفون ويتراجعون ويبدأ مريدوهم الترقيع.
اعزائي افراد القطيع لا تيأسوا، ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. والصراع ما يزال في أوّله وما يزال بانتظاركم أفراح وأتراح كثيرة، وأمريكا ما تزال قوية فاتّكلوا عليها وحدها ما دام الله سبحانه وتعالى لا يستجيب للثغاء.
( اضحوي _ 2422 )
2026-08-05