هل بدأ العد التنازلي لحركة النهضة بعد آخر عملية سبر آراء
د. أعلية علاني- جامعة منوبة – تونس
عملية سبر الآراء التي أجرتها مؤسسة سيغما كونساي التونسية مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية والمرصد العربي للأديان والتي شملت شمال إفريقيا، ونُشرت في 10 مايو 2016 أبرزت في خصوص المثال التونسي المعطيات التالية:
– 73 بالمائة من التونسيين يؤيدون فصل الدين عن السياسة
– 70 بالمائة من التونسيين يرفضون أن تكون الشريعة المصدر الوحيد للدستور
– 95 بالمائة من التونسيين رؤيتهم سلبية للغاية تجاه داعش
والسؤال المطروح هل أصبح للتونسيين رؤية جديدة للدين بعد فشل تجربة حكم الاسلاميين؟ وهل يعني ذلك تصويتا قبْليا على المشهد السياسي القادم؟
وهل أن نسبة الرفض الكبيرة لداعش تمثل بداية النهاية للصورة السيئة التي اقترنت بتونس كدولة عربية أولى مصدرة للإرهابيين بعد “الربيع العربي”؟
حركة النهضة أمام امتحان صعب
بعد انتفاضة 2011 كان الرأي العام العربي والدولي يعتقد أن الإسلام السياسي الإخواني تيار شعبي وديمقراطي ومدني. وتمّ تسويق هذه الصورة إعلاميا وسياسيا من طرف الدول الكبار.
وجاءت تجربة الحكم مخيبة للآمال بشهادة هيلاري كلينتون في أحد خطاباتها في الحملة الانتخابية الرئاسية في أبريل الفارط التي تحدثت عن فشل تجربة الاسلام السياسي في مصر. ولم تبق سوى التجربة التونسية التي سوّق لها الإعلام الأوروبي والأمريكي على أنها أفضل التجارب، لكنها لم تكن كذلك خاصة على المستوى الأمني والاقتصادي. ومن غرائب الأمور أن الإعلام الغربي الذي يمدح التوافق بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس هو الذي يتساءل في استغراب عن تصدُّر تونس قائمة المقاتلين نحو سوريا وبؤر التوتر. وجاء الجواب بعد عملية سبر الآراء الأخيرة ليوضح أربعة أشياء:
أولا: أن غالبية التونسيين ليست لهم مشكلة مع الدين، لكنهم يرفضون نوعا خاصا من التدين مرتبط بمذهب الإخوان المسلمين والمعروف باسم الإسلام السياسي.
ثانيا: إن نتائج سبر الآراء الأخيرة تمثل ردا مباشرا على ما صرح به راشد الغنوشي في حواراته الصحفية الأخيرة وكذلك في ما ورد في كتابه الأخير “الديمقراطية نحو تأصيل حضاري” الصادر منذ ستة أشهر والذي أكد فيه أن لا سبيل إلى فصل الدين عن السياسة في برامج حزبه.
في حين يقول له 73 بالمائة من التونسيين في عملية سبر الآراء المنشورة أنه يجب فصل الدين عن السياسة. كما أن 75 بالمائة من التونسيين صرحوا في هذا الاستبيان أنهم يرفضون تدخّل الأئمة في الشأن السياسي.
وفي الحقيقة فإن الغنوشي يتمسك بموقفه لأن 60 بالمائة من قاعدة حزبه لا تزال قريبة من الفكر السلفي وبالتالي فهو يخشى انشقاقا داخل حركته وهي على بعد ساعات قليلة من مؤتمرها الوطني.
ثالثا: لقد أكد سبر الآراء الأخير أن قرار حركة النهضة بفصلها الدعوي عن السياسي دون فصل الدين عن السياسة لم يعد له أي تأثير لا في الرأي العام الوطني ولا في الرأي العام الدولي، وبالتالي نتوقع أن تخسر حركة النهضة مواقع أخرى في الانتخابات البرلمانية القادمة سنة 2019 لأن نسبة هامة من التونسيين أدركوا أن أكبر خطأ وقع فيه الإسلاميون هو خلط الدين بالسياسة، وانعدام خبرتهم في شؤون الاقتصاد، وعجزهم عن احتواء الظاهرة الإرهابية حيث أبرز هذا الاستبيان أن 95 بالمائة من التونسيين يرون في داعش الخطر الأكبر على الأمن والاقتصاد. وهنا يرى الكثير من الخبراء التونسيين أن إرهاب داعش جاء من تهديدات إقليمية بنسبة الثلث، ومن استراتيجية أمنية خاطئة لحكومة الإسلاميين بنسبة الثلثين.
رابعا: يؤكد هذا الاستبيان أن الصورة التي عُرفت بها تونس بعد الربيع العربي كأول دولة مصدرة للإرهابيين إنما هي مرتبطة فقط بتداعيات حكم الإسلاميين وقد كذّبها هذا الاستبيان الأخير.
التونسيون والعودة إلى إسلام الحداثة والتسامح
إن الفكرة المركزية التي نخرج بها من هذا الاستبيان أن التونسيين يرفضون في غالبيتهم العظمى تيار الإسلام السياسي الإخواني الوافد وتيار الإسلام المتشدد الجهادي، ويعتبرون الدين مكوّنا حضاريا، تزداد قداستُهُ بعدم إقحامه في سوق المزايدات السياسية والحزبية. والإسلام الذي يدافع عنه التونسيون له جذورُهُ التاريخية والفقهية.
ويمكن القول أنه ليس أمام حركة النهضة سوى الإعلان بشكل صريح عن عدم خلط الدين بالسياسة، والتبرؤ الكامل من الإخوان المسلمين فكرا وتنظيما في وثيقة يُصْدرونها في مؤتمرهم العاشر في نهاية هذا الشهر، وكذلك مساندة النخبة السياسية التي دعت مؤخرا لسن قانون جديد للأحزاب يمنع قيامها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.
وبدون تحقيق هذه الشروط فإن حركة النهضة ستواجه أصعب امتحان لها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة.