هل العالم قادم على صراعات واسعة وتوترات لم يعرفها في أي زمن مضى ؟
توفيق سلام
عقد حلف الناتو قمّته في فيلنيوس منتصف يوليو الجاري على حافة المعركة الدائرة في أوكرانيا، وقد اختارت قيادته موقعاً قريباً من الحدث، لترسل إشارة بأن هذه الحرب من أولوياتها الملحّة، وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن حمل معه إلى المؤتمر ملفّاً آخر يبتعد كلياً عن المنطقة وعن القارّة كلها، ووضعه على طاولة البحث أمام قادة الحلف، وهو الملفّ الصيني، وقد جاء في البيان ما يدل على أن الولايات المتحدة فرضت وجهة نظرها على رؤية الحلف تجاه الصين، فأشار بيان القمة الختامي أن الصين تشكل تهديداً لمصالح الأعضاء وأمنهم وقيمهم، ولديها صندوق كبير من الأدوات المختلفة، منها الإعلامي، ومنها السيبراني، لتنفيذ سياسة التهديد، وتوسيع نفوذها والتحكّم بقطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية وتقوية مجالها الاقتصادي لتقويض قدرة النظام الدولي في مجالات الفضاء والإلكترونيات، وفي البحار أيضاً. ولم تنفع الجملة الاعتراضية للبيان عن الانفتاح على مشاركة بناءة مع الصين…! صيغة البيان عادت لتؤكّد أن الحلف يعمل بكامل أعضائه وحدةً متناغمة لمواجهة التحدّيات التي تفرضها كلا من روسيا والصين.
صناعة التصعيد
ما جاء في بيان قمة الناتو في فيلنيوس، يُؤكد أن العالم قادم على صراعات وتوترات لم يعرفها في أي زمن مضى، مالم تتوقف الحرب في أوكرانيا،
ويتم التوصل إلى حل للضمانات الأمنية، وإنهاء توسع الناتو في شرق أوروبا. فدول الناتو، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مازالت تصر على توسيع الناتو، وتقوية قدراته العسكرية النووية واللوجستية إلى أقصى درجة ممكنة، ليبقى ويستمر كأقوى تحالُف عسكري للهيمنة على العالم، وجر العالم إلى مزيد من الصراعات والحروب والتوترات، وعدم الاستقرار.
ومنذ العام 2014 بعد الانقلاب على السلطة الشرعية في أوكرانيا بدأ حلف الناتو
ينهضُ مُجدّدا مشحونا بروح التحدي والتباهي ومشاعر القوة والعظَمة والغطرسة، لاحتلال العالم من خلال تفكيك روسيا ومحاولة السيطرة عليها أولا وعلى كافة الأجزاء الأوروبية المتبقية من حولها، وهذه الاستراتيجية تتطلب أولا ضرب الخصوم في المجمل والقضاء عليهم (روسيا ، الصين ، كوريا الشمالية، إيران). ومن هنا يأتي أسباب تمدد حلف الناتو في شرق أوروبا، وجعل أوكرانيا رأس حربة مدعومة بقوة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والدول الصناعية السبع في مواجهة روسيا للاجهاز عليها، أو استنزافها، وهي الأعتى والأشد قوة وفي المرحلة اللاحقة الصين، وكوريا الشمالية معا، من خلال تعزيز تواجد القوات والأساطيل الحربية في منطقتي المحيط الهندي والهادئ، بالاضافة إلى الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب، وضرب الأنشطة الإيرانية البحرية، وتهدئة الأوضاع في الداخل الإسرائيلي وتوجيه أنشطتها السياسية نحو التطبيع، وعرقلة التقارب الصيني – الروسي مع دول المنطقة. هذه الأطماع الإمبريالية الاستعمارية هي من نفخت توسع حلف الناتو وتعزيز قدراته العسكرية في شرق أوروبا، وعسكرة الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، وتطويقها بالقواعد حول روسيا، والبداية كانت من العام 2004.
تطوير القدرات التسليحية
لقد خرجت قمة الناتو في فيلنيوس بتسعين بندا تضمّنها بيان القمة، وهو ما يشير إلى استعدادات حلف الناتو إلى تطوير القدرات العسكرية، بما في ذلك السلاح النووي للدول الأعضاء خلال المرحلة المقبلة. وحدد البند 28 في بيان القمة إلى الالتزام باستثمار 20% على الأقل من الميزانيات الدفاعية لدول الناتو على المعدات الرئيسة، بما في ذلك البحث والتطوير ذات الصلة، وهذا يقترن بـ 2% كحد أدنى من الناتج المحلي الإجمالي السنوي على الإنفاق الدفاعي، بهدف الحفاظ على التفوق التكنولوجي، والاستمرار في تحديث قدرات قوات دول الناتو، لوضع دول الحلف أمام زيادة هائلة بميزانيات الدفاع والإنفاق، أي أمام سباق تسلح جديد. فيما أشارت المادة 32 أن الردع والدفاع هي في قلب الحلف مدعومة بالمادة 5 من معاهدة واشنطن، والروابط الدائمة عبر الأطلسي، ويتمُّ تحديث الناتو لعصر جديد من الدفاع الجماعي، وأن الأعضاء متحدون في التزامهم وعزمهم على الانتصار ضد أي معتد، والدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء.
فيما أشار البندين 33، 34 على “التأكيد على ضمان الوجود الكبير والدائم للقوات العسكرية عبر دول الحلف على الأرض وفي الجو والبحر، كاستجابة لبيئة أمنية متغيرة جذريا، لتعزيز الدفاع الجماعي للحلف ضد جميع التهديدات ومن جميع الاتجاهات”، في سياق سيناريوهات الوهم، وشيطنة روسيا والصين، بأنهما شرا، لمهاجمة دولهم. والإشارة إلى التخويف :” لا يمكننا استبعاد احتمال شن هجوم على سيادة الحلفاء وسلامتهم الإقليمية، وقد اتخذنا قرارات لتعزيز موقفنا، وتحديد مسار واضح للتكيف العسكري المتسارع.. اليوم اتفقنا على تدابير مهمة لزيادة تعزيز موقف الردع والدفاع لحلف الناتو في جميع المجالات، بما في ذلك تعزيز الدفاعات الأمامية، وقدرة الحلف على التعزيز السريع لأي حليف يتعرض للتهديد، وسنُنفذ هذه الإجراءات بالكامل، ونحرم اي خصم مُحتمل من أي فرص مُحتملة للعدوان”.
والغاية من استعراض هذه البنود من البيان هو لتوضيح إزدواجية المعايير التي تتعامل بها الولايات المتحدة وحلفاؤها، أي يحق لهم ما لا يحقُّ لغيرهم.
التصعيد العنوان الأبرز
التصعيد هو العنوان الأبرز لمخرجات قمة الناتو في فيلنيوس، ولكن ضد من ؟ لا شك أنهُ ضد روسيا بالدرجة الأولى، ثُم الصين، وإيران، وكوريا الشمالية، فهذه الدول الأربع على علاقة متوترة مع الولايات المتحدة، وكل لها أسبابها الخاصّة.. وتتعاطفُ مع بعضها البعض ضد واشنطن، والناتو، ولكنها ليست حليفة لبعضها.. أي لا يوجد بينها تحالف دفاعي، معاهدة، أو ميثاق ينص على أن العدوان على أحدها هو عدوان على الجميع، على غرار حلف الناتو، وحلف وارسو سابقا، ولذلك لا يوجدُ بينها من هو على استعداد للانخراط ميدانيا بأي حرب إلى جانب الآخر، مهما بلغت الأمور، وهذه هي نقطة الضعف لدى هذا الطرف الذي تحاول الإدارة الأمريكية الاستفراد بأي دولة والبطش بها. ولتفكيك وحدة التضامن مع روسيا تبدأ الإدارة الأمريكية بتسويق الأكاذيب، عن مساعدة روسيا بالأسلحة، فتارة تتهم إيران بالمسيرات، وتارة كوريا الشمالية بدعم روسيا بالصواريخ، ومع الصين تسعى لتفكيك العلاقات مع روسيا. الهدف من كل ذلك: أولا، إظهار روسيا بالدولة الضعيفة أمام العالم، واعتمادها على دعم حلفائها، وثانيا إظهار موقف موسكو أنها أيضا تفعل بالمثل، باعتمادها على دعم حلفائها لها بالسلاح. وثاليا تبرير عجز وفشل الولايات المتحدة وحلفائها من تحقيق أهدافهم، الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
يبدو أننا في القرن الحادي والعشرين، أمام حُقبَة زمنية ستكون أخطر بكثير من زمن الحرب الباردة في القرن العشرين.. لكن كيف ستنتهي ؟ لا أحد يستطيع تصور ذلك، في ظل رفض الغرب لأية مبادرات، إلا وفق شروطهم، وهذا لن يحدث…!، ومع هذا التصعيد الغربي المجنون، لاسيما بعد دعم أوكرانيا بأسلحة اليورانيوم المنضب، وأخيرا القنابل العنقودية، وعلى الخط الطائرات F16 التي بإمكانها حمل رؤوس نووية، هذا بالإضافة إلى اتهام الكرملين للبيت الأبيض، بتزويد أوكرانيا بأسلحة نووية.
المعطيات على الأرض تشير إلى التدرج الغربي بمراحل تصعيد الحرب وانتقالها من طور إلى آخر يبدو أكثر خطورة مع استخدام الأسلحة الفتاكة، التي صنفتها اتفاقية أوسلو 2008 بالأسلحة المحرمة التي وقعت عليها 123 دولة.
وفي المجمل يجد الغرب الوكيل الأوكراني لتنفيذ مخططاته العبثية.. وعلى الجانب الآخر تؤكد القيادة الروسية تحذيراتها للغرب من مغبة هذا التصعيد، وهذه المقامرة التي لن تغير شيئا من طبيعة المعركة. ومع ذلك يبدو الخطر يلازم العالم، وبهذا تظل الاحتمالات قائمة باستخدام السلاح النووي، خاصة في حالة دخول حلف الناتو أو إحدى دوله في الحرب ضد روسيا، فإن استخدام النووي وغيرها من أسلحة الدمار الشامل ستكون ضرورية دفاعية، بالتأكيد سيكون ذلك نهاية للعالم، فهل هذا ماتريده الولايات المتحدة من وراء هذا التصعيد وأحلامها الطائشة للسيطرة على العالم؟
انطلاقا من ماسبق فإن الصين، أكثر انزعاجا من التصعيد الغربي، وزيادة التسلح، ونقل الصراع إلى مناطق أخرى من العالم، وليس في العالم من يتقبل هذا الجنون في توتير العلاقات الدولية، وتصعيد الحرب إلى هذه الدرجة من الخطورة، التي تؤخذ الاحتمالات النووية في الحسبان، لاسيما إذا تم إرسال أسلحة نووية إلى كييف من أي نوع، فهذا يعني فناء البشرية، التي لن يسلم منها أحدا، لا روسيا، ولا أمريكا، ولا بريطانيا ولا ألمانيا ولا الصين ولا حلفاء الطرفين.. مجرد دقائق لانتحار الجميع.
خطة الناتو
قدّم قادة دول الناتو في قمة فيلنيوس خطّة دفاعية شاملة لمواجهة روسيا، وهذا يعني المُضي في التصعيد، وقد
حمل البيان روسيا مسؤولية كل ما يجري في أوكرانيا، وتهديد الأمن والسلام والاستقرار في القارة الأوروبية، بل في أماكن أخرى من العالم.. وكأن الولايات المتحدة حملا وديعا، وليست هي السبب الرئيس في تمزيق واسقاط العديد من الدول، وتفجير الحروب والصراعات في مناطق عديدة من العالم.
الصين على أجندة الناتو
كانت لهجة قمة فيلنيوس ضد الصين هذه المرّة، تختلف عن لهجة بيان قمة مدريد الدبلوماسية 2022 ،
وجاء في بيان القمة في البند 23: “إن طموحات جمهورية الصين الشعبية وسياساتها القسرية المُعلَنة، تتحدى مصالحنا وأمننا وقيمنا. والصين غامضة بشأن استراتيجيتها ونواياها وحشدها العسكري. وتضرُّ بأمن الناتو.. فهي تستخدم نفوذها الاقتصادي لخلق التبعيات الاستراتيجية وتعزيز نفوذها، وتسعى جاهدة لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، بما في ذلك المجالات الفضائية والالكترونية والبحرية.
وتكثف الولايات المتحدة جهودها على بحر الصين الجنوبي، وتحرص على تحشيد دول شرق وجنوب آسيا معها، في توتير العلاقات مع الصين من خلال الدعم العسكري اللامحدود الذي تقدمه لتايوان، وإقامة التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية، ومع اليابان، وعسكرة دول المنطقة في المحيط الهندي والهادئ بالأحلاف العسكرية، مثل حلف “أكواد” وحلف “أوكوس” للوقوف خلفها، في مواجهةٍ من نوع خاص مع الصين، وأيضا روسيا. وتقول بكين الرئيس بايدن قد قدم لها أربع “لاءات” تحكم سياساته تجاهها، وهي أن الولايات المتحدة لا تسعى للحرب الباردة مجدّداً، ولا تريد تغيير النظام السياسي في الصين، ولا تتعرض سياسة الولايات المتحدة لتشديد التحالفات لمواجهة الصين، وتنفي الولايات المتحدة دعم استقلال تايوان، ولكن ما خرج من نتائج في بيان “الناتو” يعكس توجّساً كبيراً من الصين، ويعطيها إنذاراً بأن هذا الحشد العسكري يُنظر إليها بعين الريبة.
تستخدم أمريكا لهجة مختلفة تدير بها الأزمة مع الصين، وتجرّ معها حلف الناتو بأكمله، وهي متضرّرة من التوسع الصيني، وزيادة نفوذ الصين ونشاطها التجاري والتقنية التي طالت أوروبا والأراضي الأمريكية نفسها، بالإضافة إلى تطوير قدراتها العسكرية، هو أمر يثير تساؤلاتٍ عن الطريقة التي سيجري التعامل بها مع الصين. وتبدو مخرجات قمة “الناتو” هذه إحدى الوسائل، ولكن الحلف الذي يوسّع جبهته لمحاصرة روسيا قد يجد صعوباتٍ في بناء مثل هذه الجبهة في منطقة بحر الصين الجنوبي، فدول الحلف، وخصوصاً فرنسا، لا تملك الرؤية ذاتها، بالإضافة إلى المعركة الأساسية التي يضطلع بها الحلف في أوروبا، وهي دعم أوكرانيا لتستطيع الصمود، وزيادة الدعم لتمكينها من الانتصار، وهو أمر يصعب تحقّقه في ظل تلقّي الروس الدعم، ووجود التهديد النووي بعد انتهاء مرحلة التهديد بقطع الطاقة.
يمكن أن يبدأ التمترس لكل طرفٍ من موقعه، وقد يشجّع موقف “الناتو” من الصين لتزيد من علاقاتها مع روسيا. وقد شهد الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) تبادلاً قياسياً منذ بداية الحرب في أوكرانيا. ومثل هذه الظروف قد تكون معها العودة إلى حرب باردة واردة، ما يجعل لاءات بايدن تُسقط سياسة تحشيد “الناتو” المعلنة في وجه الصين. وكان بايدن قد وصف الرئيس الصيني بالديكتاتور، وهي إشارة إلى اعتراضه على نظام الصين السياسي، فالولايات المتحدة ما زالت لا تعترف بتايوان، لكنها تسعى لدعمها بالأسلحة المتنوعة، وإعدادها في أي صراع قادم مع الصين، كتكرار لتجربة أوكرانيا في صناعة الوكلاء للقيام بمهام حلف الناتو.
2023-07-26