هكذا تعمل الولايات المتحدة الأمريكية من أجل اخضاع الاتحاد الأوروبي !
عميرة أيسر
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية المساهم الأكبر في بناء المنظومة الرأسمالية والعسكرية والثقافية للحضارة الأوروبية الحديثة، إذ لها الفضل في كل ما وصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي من تطور ورقي، حيث قدمت واشنطن وعلى مدى عقود من الزمن العديد من القروض المالية الضخمة لانعاش اقتصادات دول أوروبا الغربية المنهارة، وساهمت شركاتها الكبرى في إعادة إعمار تلك الدول وفي جميع القطاعات، وهي التي تحولت لدول فاشلة بعد تلك الحرب المدمرة التي كان لها تداعيات وتأثيرات أدت لإعادة صياغة كل أركان وركائز النظام الدولي، فوفقاً لهذه المعطيات التاريخية فإن كل الادارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور عملت على جعل أوروبا بمثابة الشريك الاقتصادي والعسكري والسّياسي الموثوق، باعتبار أن أوروبا في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية المسيحية، سواء كانت كاثوليكية أو بروتستانتية أو أرثودوكسية، لذلك فإن أمريكا وفقاً لتلك النظرة العقائدية البرغماتية لن تسمح لأية دولة في الاتحاد الأوروبي بأن تتبنى سياسة منفردة بعيداً عن الإجماع الغربي، وبالتالي حرمانها من العمل وفق ما تقتضيه مصالحها الوطنية القومية، وذلك لعدة أسباب موضوعية وفق منظور العم سام أبرزها أن هناك مظلة أوروبية أطلسية لمناقشة انشغالات الدول الأوروبية، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن وشؤون الدفاع، متمثلة في حلف شمال الأطلسي الذي يرسم سياسات الدفاع الأوروبي الأمريكي المشترك، وبالتالي فلا يحق لأية دولة أن تعارض قراراتها ولا يسمح لها بالتصرف بشكل أحادي الجانب، وهذا ما سمح للحلف الأطلسي بأن يكون أداة للهيمنة الأمريكية خاصة بعد أن دشنت حرب يوغوسلافيا لاستراتيجية جديدة ضاربة عرض الحائط كل ما جاء به النظام الدولي من مخرجات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مما سمح لواشنطن بأخذ زمام الأمور خاصة بعد أن استفردت الولايات المتحدة الأمريكية بثلاثية القوة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية، بحيث أصبحت الهيمنة هي التي تحدد التحالف. كما ذكرت مجلة دراسات دولية، في العدد رقم 46، ص 135 في مقال بعنوان ( الأدوار الجديدة لحلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة).
وبالتالي فإن التحكم الكلي بمفاصل المؤسسات الأوروبية من طرف الإدارة الأمريكية، كالمجلس الأور ومتوسطي، وفرضها لإملاءات وشروط اقتصادية مجحفة في كثير من الأحيان لحماية منتوجاتها الاقتصادية و الزراعية ضمن سياسة الحماية الاقتصادية المطبقة على دول الاتحاد الأوروبي من طرف ادارة الرئيس السّابق دونالد ترامب، دفع العديد من الدول الأوروبية الرافضة لتلك السّياسات الأمريكية التي أضرت بمصالحها الجيواستراتيجية كفرنسا وإيطاليا لمحاولة الافلات من الهيمنة الأمريكية،، وذلك عبر التفكير في إنشاء منظمة دفاعية أوروبية مستقلة، و تبني سياسات دولية تحفظ مصالحها الخارجية، وإقامة علاقات دولية متوازنة مع كل الأطراف الوازنة في النظام الدولي، بدون مراعاة مصالح السّياسة الخارجية الأمريكية، وهذا ما أثار حفيظة صناع القرار في واشنطن الذين اعتبروا ما تقوم به دول القارة العجوز تحدي واضح للسّياسات الأمريكية، ومن أجل ذلك قامت واشنطن بالعمل على اضعاف تلك الدول والضغط عليها من أجل ادخالها لبيت الطاعة، فقامت المخابرات الأمريكية بإشعال حرب اقليمية أوروبية ورطت فيها كل دول الاتحاد الأوروبي، إذ قدمت تلك الدول مليارات الدولارات سنوياً لأوكرانيا من أجل ضمان استمرارها في خوض الحرب مع روسيا، وهذا ما انعكس بصورة جلية على مستوى معيشة المواطن الأوروبي، الذي أصبح يعاني من ارتفاع الأسعار وارتفاع نسب البطالة والتضخم، و أزمة تموينية بالمواد الطاقية في كثير من الأحيان، خاصة بعدما قطعت روسيا امدادات الطاقة عن الكثير من دول الاتحاد الأوروبي كفرنسا وألمانيا وفنلندا والسويد وهولندا…..الخ، وهذا ما سبب خسائر اقتصادية هائلة لهذه الدول، وحتى شهر أفريل/نيسان من العام الماضي، فإن النمو الاقتصادي الأوروبي تعرض لخسائر تتراوح ما بين 0.5 بالمئة و1 بالمئة من ناتجه المحلي، أي ما يتراوح ما بين 835 مليار دولار و 1.79 ترليون دولار وفق تقديرات مصلحة الإحصاء الأوروبي، ” يور وسات”، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الأوروبية نحو 179 ترليون دولار في 2021م. كما ذكر موقع العربي الجديد، بتاريخ 9ماي/أيار 2022م، في مقال بعنوان ( خسائر أوروبا من الحرب الروسية الأوكرانية تتجاوز التريليوني دولار).
بالإضافة لكل ذلك فإن دول هذا الاتحاد القاري ملزمة أخلاقياً و قيمياً وهيكلياً بدفع تكاليف الأسلحة الأمريكية الموردة لأوكرانيا، وهذا ما يثقل كاهل خزائن تلك الدول، التي تعاني أصلاً بسبب تداعيات أزمة كورونا على الاقتصاد العالمي، فواشنطن التي أدخلت أوروبا في حرب باردة مع روسيا عملت على قطع أهم شرايين الإمدادات الخارجية للقارة العجوز عن طريق حرمانها من الحصول على المعادن النفيسة النادرة التي تستخدم في العديد من الصناعات الدفاعية والبيتروكيماوية الدقيقة، فعملت على دعم الانقلابات العسكرية في العديد من الدول الأفريقية التي كانت عبارة عن مستعمرات أوروبية، كمالي والنيجر وبوركينافاسو والغابون من أجل ضرب المصالح العسكرية والاقتصادية والتجارية الأوروبية، وخاصة لباريس التي تعتبر من أهم الدول الأوروبية المعتمدة على الخيرات الأفريقية، التي تستغلها بأثمان بخسة وزهيدة، وهذا ما دفع الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك للقول في لحظة صدق مع النفس أنه ” بدون أفريقيا ستكون فرنسا دولة هامشية”. كما ذكر موقع الجزيرة للدراسات، بتاريخ 14نوفمبر/ تشرين الثاني 2021م، في مقال بعنوان (بين الاستعمار والاستنزاف والاستيلاب: أي مستقبل للنفوذ الفرنسي في أفريقيا).
وبالتالي فإن باريس قد بنيت بسواعد الأفارقة، لأن فرنسا كانت تستغل ثرواتهم وعقولهم بالمجان، ففرنسا التي أصبحت دولة عظمى بفضل نهبها المتواصل للشعوب الأفريقية طوال قرون تعاني اقتصادياً بشكل كبير، وذلك بسبب طرد شركاتها من تلك الدول التي حدثت فيها انقلابات عسكرية، وهي الدولة التي تقود الجناح المناوئ للهيمنة الأمريكية على القارة العجوز،فادارة الرئيس جوزيف بايدن على ما يبدو قامت بعقد صفقات سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية مع الأنظمة العسكرية الانقلابية على حكام دولها المدعومين من فرنسا، ورفضت التدخل عسكرياً للإطاحة بهم، خاصة في النيجر حيث رفضت التدخل من أجل الاطاحة برئيسها المخلوع محمد بازوم المحسوب على قصر الإليزيه، وعوضاً عن ذلك دعت وزير خارجيتها انطوني بلينكن لحل أزمة النيجر بالطرق الدبلوماسية حيث قال ” لا يوجد حل عسكري مقبول”، وتوقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن المطالبة بإعادة بازوم لمنصبه، مركزة عن إطلاق سراحه وظروف احتجازه. كما ذكر موقع جريدة القدس العربي، بتاريخ 15 أوت/ أغسطس 2023م، في مقال بعنوان ( لوفيغارو: خيارات واشنطن الدبلوماسية اتجاه النيجر تثير قلق باريس).
فالولايات المتحدة الأمريكية التي عجزت عن منع التقارب الأوروبي الصيني المتزايد، والطامحة للاستفادة من الفراغ الاستراتيجي الذي تركته فرنسا في مستعمراتها السّابقة، وبالتالي قطع الطريق على دول كروسيا والصين وتركيا للاستفادة من خيرات هذه الدول، تريد إقامة المزيد من القواعد العسكرية في الدول الأفريقية التي كانت عبارة عن توابع للدول الأوروبية سابقاً، تعتبر بأن دول الاتحاد الأوروبي التي ضعفت اقتصادياً بشكل كبير، ستلجأ لواشنطن من أجل توفير احتياجاتها من المواد الطاقية والمعدنية، وهذا ما سيجعلها في موقع قوة تستطيع من خلاله فرض شروطها التفاوضية على الدول الأوروبية التي تريد أن يكون له دور فعال في رقعة الشطرنج العالمية.
- كاتب جزائري
2023-09-09
