نزول أمريكا من فوق الشجرة!
مهدى مصطفى
الثرثرة تفقد الهيبة، المسألة تنطبق على الأفراد والدول، وأمريكا دولة عظمى، لكنها تثرثر، وتفقد هيبتها، تهدد وتتوعد، ثم لا تفعل، تندفع للغزو، تكسب الجولة الأولى، وتخسر كل الجولات بعد ذلك.
الحكمة الشعبية تقول: إذا لوحت بعصاك فاضرب، وإلا سيكون تهديدك أجوف، تجعل المنافس، حتى لو كان ضعيفا، ينقض عليك، يدافع عن نفسه، وقد يهزمك شر هزيمة، وهذا ما حدث فى الواقع، لم تكسب أمريكا حربا واحدة، اللهم إلا فى نهاية الحرب العالمية الثانية ضمن حلفاء، ولو شئنا الدقة سنقول: كانت حربا أوروبية – أوروبية، قاتلت فيها روسيا بالنصيب الأكبر ضد النازية وانتصرت عليها.
قبل أربعين عاما انفردت أمريكا بالصعود إلى الشجرة، كان يمكن أن تكون الأمة التى تجمع شتات العالم كله، وتصبح النموذج والمثال الفريد، أليست تضم أشتات الأرض؟ ألم توصف بأرض الأحلام، أو هكذا وصفها الحالمون؟
ماذا فعلت بالحلم؟
قررت أن تكون الدولة التى عبر عنها جورج أورويل، فى روايتيه: «1984»، و«مزرعة الحيوانات»، وصارت المثال على التوحش الرأسمالى، والنموذج الفريد لإمبراطوريات الغزو المستمر.
لعنة الهيمنة على الأوراسيا جعلتها تنطح الصخر، وهى الأرض الغنية بالموارد والبشر، فما حاجتها إلى العالم القديم؟ هل كانت لأصحاب “المسألة” يد خفية فى هذا النطح؟
ربما.
وصلت الثرثرة من منصة تروث سوشيال إلى لعبة خطيرة، فمن خلال هذه المنصة يتخذ البيت الأبيض قرارات إستراتيجية صعبة التنفيذ، مثلا اتخذ الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، قرارا رهيبا بتغيير اسم «بحيرة أونتاريو» الكندية إلى «بحيرة أمريكا»، وسارعت شركات مثل جوجل، وآبل بتغيير الاسم على خرائطها، وكذلك فعلت الوكالات الفيدرالية، أليس أمر الرئيس نافذا، والشركات الحرة حاضرة؟
لم يتعد الأمر الحدود الأمريكية، فلا كندا اعترفت، ولا خرائط العالم سارعت بتغيير الحدود، وهكذا لحقت «بحيرة أمريكا الجديدة» بفكرة كندا الولاية الحادية والخمسين المنسية، وتحول القرار إلى ذئب عجوز طلعت عليها الشمس، فاختفى فى الأدغال، حتى فنزويلا التى سيطر عليها الرئيس ترامب فى ليلة واحدة واعتقل رئيسها، لم تعد خالصة له، فالجمر فى كاراكاس العاصمة الفنزويلية تحت الرماد، وهكذا فى أوروبا ومسألة جرينلاند، وها هو ينشر عبر تروث سوشيال المقدس خريطة لمضيق هرمز، البعيد عن أمريكا بآلاف الأميال، تحمل وصف «إقليم أمريكى جديد!».
ترى ما البحيرات والممرات التى يضع عينه عليها ويسجلها فى شهر عقارى تروث سوشيال؟
وماذا فعلت الثرثرة؟
بعد أربعين عاما من القيادة المنفردة، تنزل أمريكا من فوق الشجرة، تتعارك مع الآخرين، دون هيبة أو قوة ساحقة.
فى «بيشكيك»، عاصمة قيرغيزستان، عقدت منظمة شنغهاى للتعاون قمة فريدة، حضرها ممثلو دول تضم ما يقارب نصف عدد البشر، الهند والصين، على سبيل المثال.
إعلان «بيشكيك»، بعد 25 عاما على نشأة المنظمة، كان بمثابة قنبلة هائلة، راحت تسقط على رأس العالم المرتبك، فقد حمل الإعلان بثقة أن هناك نظاما عالميا جديدا يقوم على تعدد الأقطاب، وأنه يمكن أن يكون هناك نظام مالى بعيدا عن نظام الدولار، مع رفض تام وقاطع لمسألة الحصار والعقوبات على دول تراها واشنطن عدوا أو منافسا.
تضمن إعلان «بيشكيك» موقفا واضحا ضد الإجراءات القسرية الأحادية، ودعما لزيادة استخدام العملات الوطنية فى التسويات بين الدول الأعضاء، أما الحديث عن عالم متعدد الأقطاب فبرز بوضوح فى خطابات القمة، ومنها خطاب الرئيس الصينى شى جين بينج، ولم يفت إعلان بشكيك النص على احترام الأمم المتحدة والقوانين الدولية، وتأكيد الشرعية العالمية كمرجعية وحيدة.
مرة قال عالم الفلك الإيطالى جاليليو جاليليه: إنها تدور، وها هى تدور، ويصحو العالم على خطر أن تسيطر فيه إمبراطورية ثرثارة على مقاليد البشر، أو يعيشون فى عوالم جورج أورويل الكابوسية.
2026-09-04