نحن السابقون والإمارات اللاحقون!
أحمد العش .
كثيرةٌ هى الأشياء التى تستنفرنى، وتثير استيائى، وتقض مضجعى، وتجعلنى أضربُ أخماساً فى أسداس، وحسبك إذا كانت تمس ثوابت الدين مسا، من كُسير وعُوير وثالثٌ ما فيه خير ..
فكبر مقتاً عند الله أن يحدث المرء بما لا يعلم، ويهرف بما لا يعرف…
لقد ضجت الأمة منذ أيام من أقصاها إلى أدناها، تظاهراً بالحزن الكظيم والنواح الأليم، على إثر ما ارتأته السلطة الإماراتية العربية الإسلامية، من تطبيع كلى مع الكيان الصهيونى، فى حادثة يظنها الكثيرون أنها الأولى من نوعها، أما الراسخون فى العلم الشرعى، وفى قراءة التاريخ الإسلامى، فيقرون بديمومتها فى السبق واللحق…
لا جرم أن الأمة قد ابتليت بحكام جهلاء منذ مطلع قرنها التاسع عشر الميلادي، أو بمعنى أكثر دقة منذ الأمى الألبانى محمد على، وبنفس التزامن إلى اليوم، بزبانية من شرار العلماء الذين جعلوا القرآن عضين، واجتزءوا النصوص، ولم يفرقوا بين الصلح والتطبيع، ومزجوهما فى بعضهما البعض، وزعموا أن الرسول قد صالح اليهود، فأعطوا الضوء الأخضر لمحمد على وابنه سعيد بمهادنة الفرنسيين، وللخديوى توفيق بمخادنة الإنجليز، ولمحمد أنور السادات بمحاباة الكيان الصهيونى، ولسائر الأمة بقبول الخنوع والخضوع لغزو العراق والبطش بالفلسطينيين والشيشان وبورما وغيرها،!
تحدثوا كلأ مباحاً فأخذوا من كتاب الله ما يرضى ساستهم ويعزز بطانتهم، فاستشهدوا بالاية رقم ٦١ من سورة الأنفال ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم) ثم غضوا الطرف عن الآية التى تليها ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسَبَك الله، هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين) ٦٢
إن البون شاسع بين صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، من صلحٍ مع المعاهَدين والذميين، لم يسلبهم عزتهم وقوتهم، وبين تطبيع العرب والمسلمين فى قرنين من الزمن ونيف، جعلهم أذلة مقبوحين ممقوتين..
لم يصالح الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار واليهود على إلغاء الجهاد فى سبيل الله، ولم يصالحهم على تمكينهم من أراضِ إسلامية اغتصبوها ، ولم يصالحهم على اراقة دم امرىء مسلم واحد، ولم يصالحهم على أن يظفروا بموارد وأقوات وذخائر المسلمين، بل جعلهم معاهدون ذميون يُخضعون لشريعة الإسلام، عدلاً لا جوراً..
إن الفرق بين الصلح والتطبيع، هو ذاته الفرق بين البر والمودة فى سورة الممتحنة، قال تعالى فى مطلع السورة ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً فى سبيلى وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)
وقال فى نفس السورة ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) ٨
( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) 9
ما أقدمت عليه الإمارات مع الكيان الصهيونى تطبيعاً لا صلحاً، يمضى فى نفس فلك التطبيع المصرى مع الكيان الصهيونى عام ١٩٧٩م، عشية كامب ديفيد المزعومة، التى تمخض عنها جمة اسفافات واجحافات بالأمن القومى المصرى، مع تجاهل نصرة الإخاء الفلسطينية، بإقرار الكيان الصهيونى متغطرساً متبجحاً متبختراً متعنتاً متهكماً قاتلاً لكل أخضر ويابس على الأرض الفلسطينية…
كامب ديفيد حولت المنتصر إلى مهزوم، وليس بغريب أن يصرح بذلك ثلاثة وزراء للخارجية المصرية، استقالوا تباعاً اعتراضاً على مجرد ذهاب السادات إلى الكنيست، قبل أن يوافق بطرس غالى على قبول الوزارة وبالتالي قبول التطبيع، والثلاثة هم اسماعيل فهمى ومحمود رياض ومحمد إبراهيم كامل الذى دون اعتراضاته فى كتاب أسماه السلام الضائع فى اتفاقات كامب ديفيد) وكيف أن هذه المعاهدة قامت بطى انتصارات النبى صلى الله عليه وسلم على يهود بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة من كتب التاريخ فى المدارس المصرية، والإقحام وإماطة اللثام عن ماهية الكينونة المصرية، فى النواحى العسكرية والعلمية والثقافية، وتمخضها كذلك عن تكريس اتفاقيات اقتصادية مكبلة للاقتصاد المصرى، معززة للاقتصاد الصهيونى فيما عرف باتفاقيتى الجات والكويز..
قبل الإيماء إلى التطبيع الإماراتى، تذكروا التطبيع الساداتى مع الكيان الصهيونى، واقرءوا التاريخ من مصادره الثقات، بمداد العلماء والمؤرخين لا من الجاهلين انتهى
2020-08-17