“ناصر” … في الليلة الظلماء يفتقد البدر!
محمد أبوعريضة
ما بين تموز وأيلول مضت ثمانية عشر عامًا فقط، لكنها كانت كافية لإخراج أزهى ما يخبئه الرجل من مزايا، صحيح أنه، كباقي البشر، يصيب ويخطيء، له مناقب ومثالب، غير أنك أيها اليعربي ما زلت الرجل الذي اقتحم حقول الألغام بشجاعة، وكسر توبوهات، سيطرت على عقولنا قرون طويلة.
في البدء كانت الكلمة، وفي البدء كان السؤال .. لماذا نحن مقيدون تحت نير الاستعمار؟
سأل الفتى، فنهرته العيون المنكسرة .. لماذا غاب زعيم الأمة سعد زغلول؟
وغاب شعاره “الاستقلال التام أو الموت الزؤام”؟
فرأى الجواب في امتيازات الباشوات والبكوات..
لماذا الإنجليز يجوبون الأرض طولًا وعرضًا، والعربي مربوط بساقية تحركها ثيران هرمة؟
لماذا ولماذا ولماذا .. أسئلة ظلت معلقة في الفراغ.
وجد الفتى ضالته في الجيش، فانتسب إليه، مع أن مؤسسته كانت حينذاك تحرم المصري العادي من الاقتراب منها أو حتى تصوير ذاته يلبس زيها .. تنقل داخل المؤسسة من هنا إلى هناك فإلى هنا .. وهكذا دواليك، إلى أن وجد نفسه محاصرًا في الفلوجة بفلسطين ..
في فلسطين اشتبك مع مجال مصر الحيوي .. أو ما وجد فيها حتى دمشق محمد علي الكبير أمن البلاد القومي .. عاد من الحرب يحمل مرارة الهزيمة وأسئلة الغد، غير أن انضمامه إلى كلية الأركان، واشتباكه مع العلوم الاسترتيجية، زاد من يقينه بضرورة كنس الاحتلال.
في الليلة الموعودة، تجول في ليل القاهرة الهاديء .. تأمل وجه القمر، واكتشف أنه على موعد معه .. فاحترف منذ اللحظة الأولى العزف على وتر:
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان .. ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان
كلمة السر تجلت في بناء السد العالي، ولمّا سحب البنك الدولي تعهده بتمويل البناء، لم يجد الناصر جمال إلا قناة السويس للتمويل، ولمّا أحكمت أدوات الاستعمار الطوق عليه، تذكر درس الاستراتيجية الأول: إذهب إلى دمشق، فحدود مصر هناك.
الوحدة انهارت لأسباب موضوعية، وخفافيش الظلام تغلغلوا إلى أدق تفاصيل الحياة، لأسباب موضوعية، عبر عنها خالد محي الدين بغياب الديموقراطية.
المعركة كانت شرسة، انقض العدو على أرض الكنانة، وأخذ معه الجولان والضفة الغربية .. كادت الإرادة أن تنكسر .. وكانت قصة إمبراطور اليابان “هيراهيتو”، وهو يلقي خطاب الاستسلام منكسرًا، ماثلة أمام جمال عبدالناصر، وهو يعد خطاب التنحي ..
الشعوب العربية، ومنها قطعًا المصري، أعادوا الزعيم بعد أن تنحى، إيذانًا بمرحلة حرب الاستنزاف، وعودة الروح، ولاءات الخرطوم: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض.
حل أيلول، وحلت معه رائحة الفتنة .. الناصر لم يترك للنزف فرصة أن ينزف اكثر، فدعا الفرقاء إلى القاهرة، وكان الاتفاق في اليوم الموعود المشؤوم.
عصر الثامن والعشرين من أيلول عام ألف وتسعمئة وسبعين، بعد أن ودع جمال عبدالناصر أمير الكويت، آخر الزعماء العرب، الذين التأموا في القاهرة، لرأب صدع حلَّ بالأردن، عاد مسرعًا إلى بيته، لكن كان الموت يرافقه في تلك اللحظة.. القمر كان قد غاب تلك الليلة، ساعات وغادرنا الناصر جمال عبدالناصر.
ملايين المصريين خرجوا إلى الشوارع مذهولين، حبيبهم مات .. العرب لم يكونوا أقل حزنًا .. العالم لبس السواد، فحتى أشرس الخصوم، اعتبروا موته خسارة للبشرية ..
ما بين الثالث والعشرين من تموز عام الف وتسعمئة واثنين وخمسين، يوم الثورة، والثامن والعشرين من أيلول عام الوفاة، مرت سنوات صعبة، لكنها كانت تحمل صورة “بكرة” الذي لم يأتِ بعد.
هل أنصفك التاريخ أيها الناصر؟
أم أن “سقط متاع” تعلق بسيرتك، من خطايا رفاقك، وضبابية المشاهد، وحجم المؤامرة، سيبقى عالقًا في التفاصيل؟
في ذكراك يا ناصر، نستذكر ما قاله أبوفراس الحمداني
سيذكرني قومي إذا جد جدهم .. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
26/09/2024
