حدة حزام
ارتاب أمن تلمسان لأمر السيارة غير المألوفة رؤيتها في شوارع المدينة، فبدأت التواصلات اللاسلكية تعمل عملها بينهم، وبدأت المدينة التي دخلتها السيارة بغية جولة قصيرة تشهد حركة غير مألوفة، وعلت صفارات سيارات الشرطة، والناس يتوقفون عند مرور ”الدي أس” السوداء ويتهامسون فيما بينهم ويتبادلون النظرات المريبة.
لم يفهم السائق ما وقع بالمدينة. ربما وصلت قوات الأمن معلومات عن مجموعة إرهابية – هكذا علق على ما رآه – ولكن يبدو أن الرئيس فهم جيدا سبب ذلك، واكتفى بابتسامة صفراء كرد على تعليق السائق.
لم يشأ أن يقول له إن التلمسانيين تعرفوا على السيارة الرئاسية، وارتابوا لأمر من بها، لأنه ليس الرئيس، رئيسهم الذي يعتزون به، ابن بلدتهم ورافع هامات أبنائهم.
لم يشأ أن يعلق، فلم يعد خفيا عليه أنه هو الذي يحتل مكتبه، ذلك المكتب الذي عاد منذ قرابة الثلاثة شهور ليتفقده ويتفقد ملفاته. ذلك المكتب الشاهد على أسرار الرجل، على أحلامه وانكساراته، وطموحاته، فلن يكون رئيسا، ولن يكون لعودته من معنى إلا بعودته إليه، فلا شيء يعوضه عن تلك الأمنية، التي من أجلها نفض التراب ورمى بالنعش، وعاد إلى الحياة مؤقتا.
ولن تثنيه عن هدفه هذا كل جيوش الأرض. فليس كمشة من الحرس الجمهوري، أو بعض رجال الشرطة من يقدرون على ”الهواري”. إنه قاهرهم.
ألم يتغلب على كل الخصوم، وأسقطهم واحدا واحدا، مثل بيادق فوق رقعة الشطرنج، فكيف يمنعه هؤلاء اليوم؟! صحيح أنه نزل عند رغبة سائقه الذي عرض عليه جولة في الجزائر ليقف على كل التحولات التي طرأت عليها، إيجابياتها وسلبياتها، لكنه أبدا لم ييأس وما زال هدفه الوحيد، أن يعود إلى مكتبه، ولو كلفه ذلك حربا أخرى!
”آه، يا لطيف، لماذا الحديث عن حرب الآن”، قالها الرئيس في نفسه معلقا على هذه الفكرة السخيفة التي تبادرت إلى ذهنه، ”ألم تكفهم كل المآسي التي عاشوها أثناء الثورة وقبلها، وأثناء عشرية الخيانة، ولا أقول عشرية الإرهاب التي ضربت البلاد في عمقها، في مسيرها وفي شبابها ومبادئها، في ما تبقى من وهج ثورتها في صدور بعض الرجال؟!”.
قالها بومدين وهو يحاول في صمت ترتيب أفكاره وأولوياته. وما هي إلا دقائق حتى تحلقت حولهم سيارات الشرطة من كل الطرقات، وأجبرت السائق على التوجه إلى مقرها وسط المدينة، فاستجاب للأمر.
وكأن التاريخ يعيد نفسه. فها هي دراجات نارية للشرطة تحيط بالسيارة الرئاسية من كل جانب، تطلق صفاراتها، لإخلاء سبيل السيارة. وتحول الموكب فجأة إلى موكب رئاسي بحق.
وها هو الرئيس يعيش مرة أخرى تجربة من تجارب السبعينيات، عندما كان يتنقل في مواكب مثل هذه. وها هي الجماهير تقف على جانبي الطريق تنتظر مرور الموكب!!
وبينما يصارع السائق نوبة غضب وقلق خوفا من اكتشاف الشرطة لأمر الرئيس، أخرج هذا الأخير سيجاره الكوبي، وأعاد إشعاله، وها هو يعدل من جلسته على المقعد الخلفي، في مشهد سريالي.
”وليكن! إذا كان هذا ما أرادوه، فأنا ما زلت الرئيس المرهوب. أنا بومدين، وهذه تلمسان تقف برجالها ونسائها احتفاء بي!”. مرفقا قوله هذا بقهقهات عالية، أزعجت السائق.
لكن الرئيس كان في كامل كبريائه، عدل من برنوسه ومرر أصابعه على شعره وشواربه، أليس هو الرئيس الذي ما زال الجزائريون يتمنون عودته؟ ها هو قد عاد، وها هي الدراجات النارية للشرطة تحيط بموكبه وهو يعبر تلمسان الأبية!
وصل الموكب الرئاسي – نعم هكذا كان موكبا رئاسيا بحق – إلى مقر الشرطة، وركن السائق السيارة أمام المدخل، ثم نزل طالبا من الرئيس البقاء داخل السيارة حتى يستفسر من الشرطة السبب في منعه من التجوال في المدينة. وفي خضم صراعه النفسي، قرر السائق أن يقول كل شيء، وليذهب الجميع إلى الجحيم، لكنه تراجع عن ذلك، فرحلة الرئيس ما زالت طويلة، وما زالت جهات واسعة من البلاد في حاجة إلى زيارته والتبرك بعودته، وليست تلمسان، مهما كان مجدها التاريخي وسلطانها الحالي، التي تعرقل هذه الرحلة وتمنع ابن الجزائر البار وفقيدها الذي ما زالت الجماهير تبكيه في سرها وعلانيتها من إتمام ما عاد من أجله!
بقي الرئيس داخل السيارة ذات الزجاج المدخن، ولحسن الحظ لم ينظر رجال الشرطة من بداخلها، رافق أحدهم السائق إلى الداخل، وطلب منه وثائق السيارة، ولأنه لا يمتلك وثائق إلا رخصة سياقته، اعترف أنها سيارة رئيس الجمهورية، جاء بها إلى تلمسان بحثا عن قطع غيار نادرة، مثلما نصحوه بذلك، لكن حتى تلمسان لا تتوفر على قطع غيار هذه السيارة نادرة الطراز.
”لكن من أين أتيت بها؟”، سأل أحدهم السائق!
”هي سيارة الرئيس، كان والدي رحمه الله سائقه الخاص، وبعد وفاة الرئيس، بقيت في حوزة والدي الذي اشتراها من رئاسة الجمهورية، لأنه رفض أن يركبها غيره، وبقي محتفظا بها طوال الوقت، ثم عادت إلي بعد وفاة والدي!
”عن أي رئيس تتكلم يا هذا! الرئيس لم يمت، الرئيس حي يرزق! صرخ أحدهم وهو يتصبب عرقا!!
– يتبع –
2016-04-05