من وحي عملية الهروب الكبير من سجن جلبوع…..!*
أبو علاء منصور
بوعي وثقافة معركة مخيم جنين الباسلة شق الفدائيون الستة طريق هروبهم الكبير من سجن جلبوع. ففي انتفاضة الأقصى أصبح مخيم جنين حاضنة لرجال المقاومة من جميع الأطياف الوطنية والإسلامية. أطلق المحتلون عليه اسم “خزّان الاستشهاديين” و”عاصمة الاستشهاديين”. في دفاعهم عن المخيم، نهل رجال المقاومة من خزان السمعة والثقة المتبادلة في داخلهم وبينهم وبين الأهالي، توحّدوا، واختاروا الضابط في الأمن الوطني يوسف قبها الملقّب بـ “أبي جندل” ليقودهم، وأعدوا جيدًا للمعركة. بصدقهم وجدِّهم صنعوا من أبناء المخيم حاضنة شعبية دافئة، زرعوا طرقات المخيم ومفارقه بالعبوات الناسفة، وتعلّموا من التجارب، فتحوا ثغرات بين المنازل لتعطيهم هامشًا للمناورة، تعاهدوا على الثبات والنصر، وقاتلوا ببسالة فاجأت الاحتلال. أخفق الجيش في اقتحام المخيم. هدم حيّ الحوّاشين بالكامل، ثلاثمئة وثمانين منزلًا. تعفّنت الجثث في الشوارع، ولم يُسمح لسيارات الإسعاف بنقل المصابين، كثيرون اضطروا إلى دفن شهدائهم في حدائق منازلهم.
شرقتُ مرارًا بدموعي وأنا أستمع لمأساة زوجة الشهيد عطية أبي رميلة. اضطرت المرأة المكلومة إلى تغطية جثة الشهيد داخل إحدى الغرف مدعية لأطفالها الصغار أنّ والدهم نائم، كان يخنقها الألم وهم يواصلون التساؤل: “ليش بابا نايم؟ طوّل! صحّيه”. في كمين أطلق عليه المحتلون اسم “الكمين الدامي”، قتل رجال المقاومة ثلاثة عشر جنديًا وضابطًا، وفي كمين آخر دمروا آلية مجنزرة بعبوة ناسفة ضخمة. أسفرت معركة المخيم عن قتل سبعة وعشرين جنديًا إسرائيليًا، على رأسهم قائد الهجوم، واستُشهد ستة وخمسون من الأهالي ورجال المقاومة على رأسهم أبو جندل. واعتُقل عشرات الكوادر.
حين انجلى غبار المعركة وأُتيحت للناس الحركة، بدا كأنّهم في كابوس، كأنّهم يُشاهدون فيلم رُعب! ما عاد بمقدورهم التعرّف إلى بيوت المخيم وأزقته. علّق أحد مبعوثي الأمم المتحدة على المشهد: “كأنّما ضرب المخيم زلزال”. أصبح صمود المخيم مفخرة فلسطينية ورواية ألم إنسانية.
من كتابي رحلة لم تكتمل*
2021-09-09