أصدر رؤوفين إرليخ، قبل ثمانية عشر عاما، كتاباً بالعبرية عنوانه “المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان من 1918 إلى 1959” (تل أبيب: دار معراخوت ووزارة الدفاع الإسرائيلية، 2000). وفي سنة 2017 صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب في بيروت (لا ناشر، 871 صفحة، تعريب محمد بدير). والمؤلف ضابط إسرائيلي خدم في المخابرات الإسرائيلية، وكان نائباً لأوري لوبراني بين 1985 و 2000. ولوبراني اسم يعرفه سكان الجنوب اللبناني جيداً؛ فقد كان منسق النشاط الإسرائيلي في لبنان بعد احتلال عام 1982. الكتاب دراسة مسهبة تبحث في العلاقات التي نسجتها الوكالة اليهودية، ثم دولة إسرائيل، مع الجماعات الطائفية اللبنانية طوال أربعين سنة (1918-1958). ويستند إلى الأرشيف الصهيوني وأرشيف دولة اسرائيل وأرشيف الجيش الاسرائيلي وأرشيف الهاغاناه وأرشيف شعبة الاستخبارات العسكرية وأرشيف حزب العمل، علاوة على مراسلات زعماء الحركة الصهيونية، خصوصاً دافيد بن غوريون وموشي شاريت، وكتب اليوميات والمذكرات والشهادات الشخصية، وكذلك الوثائق المحفوظة في معهد تراث بن غوريون، فضلاً عن مئات الكتب والمقالات العبرية والعربية والمقابلات الشخصية المباشرة. وأهمية هذا الكتاب الخطير ليس في معلوماته الغزيرة فحسب، بل في تفصيلاته الكثيرة وشموليته وإحاطته بالموضوع الذي يدرسه المؤلف، وهو لا يكتفي بسرد الوقائع المستلّة من المحفوظات الصهيونية، بل يحللها بمنهج يجمع المعلومات إلى الاستراتيجيا والسياسات في سياق تاريخي واحد.
معظم ما جاء في الكتاب قرأناه في مصادر متفرقة، خصوصاً اتفاق البطريرك أنطوان عريضة مع الوكالة اليهودية الذي عثرنا عليه أول مرة في كتاب بدر الحاج “الجذور التاريخية للمشروع الصهيوني في لبنان: قراءة في مذكرات إلياهو ساسون وإلياهو إيلات” (بيروت: دار مصباح الفكر، 1982). وكان إلياهو أبشتاين (إيلات) نشر مذكراته عن الاتصالات الصهيونية – العربية في كتاب عنوانه “جلوس صهيون والعرب” (1974)، ثم نشر إلياهو ساسون كتاباً آخر في الشأن نفسه عنوانه “في الطريق إلى السلام” (1978). وفي الكتابين تفصيلاتٌ صادمةٌ عن علاقة الحركة الصهيونية بشخصيات لبنانية بارزة، أمثال الرئيس إميل إدة وخير الدين الأحدب والشيخ حسين حمادة والمطران عبدالله الخوري ومحمد العبدالله وجورج مشحور وراشد الريشاني والصحافي إلياس حرفوش صاحب صحيفة الحديث اللبنانية. وفي كتاب كيرستين شولتزة “دبلوماسية إسرائيل السرّية في لبنان” (بيروت: شركة المطبوعات، 1998) قرأنا بدقة محاضر اجتماعات إميل إدّة وطوبيا أرازي، وتفصيلات عن الصلات التي عقدتها الوكالة اليهودية مع توفيق سمعان وإميل الخوري حرب وشارل مالك ومحمد علي حمادة وإلياس ربابي الذي تسلم من الوكالة اليهودية مبالغ نقدية، تافهة تبرهن وضاعته وانحطاطه، فضلاً عن كميل شمعون الذي لم يتورّع عن تسلم مئات الرشاشات وآلاف الطلقات الحربية من إسرائيل في سنة 1958، وحذا حزب الكتائب حذوه كحذو النعل للنعل. وكثير مما جاء في كتاب رؤوفين إرليخ موجود في كتاب ليئورا أيزنبرغ “عدو عدوي” (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1997) الذي يتضمن معلوماتٍ وافيةً عن المطران إغناطيوس مبارك وإميل إدة وألبير نقاش (مؤسس جمعية الفينيقيين الشبان، الصهيونية الهوى)، وعن لقاءات رياض الصلح والوكالة اليهودية، وكذلك المونسنيور يوسف رحمة وقيصر إدّة وشارل قرم (شريك ألبير نقاش في تأسيس جمعية الفينيقيين الشبان) وجوزف عواد وإلياس ربابي ونجيب صفير الذي وصفه الصهيوني دافيد أدير بـِ “النصّاب”، مع أنه جهد واجتهد في خدمة الحركة الصهيونية، واقترح على حاييم وايزمان في سنة 1919 تقسيم المنطقة كالتالي: لبنان للمسيحيين، سورية للمسلمين، فلسطين لليهود.
من كتاب المتاهة
2025-08-12