من كتابي بلعين في المقاومة الشعبية 5.!
أبو علاء منصور.
اتبعت قوات الاحتلال سياسة الاستخدام المكثف لقنابل الغاز المسيل للدموع لإبقاء مسافة فاصلة بين الجنود والمتظاهرين ومنع المتظاهرين من الوصول إلى بوابة الجدار والاحتكاك الجسدي مع الجنود. وبهدف الالتفاف على تلك الخطة اعتمد المشرفون على المسيرة تكتيكاً مضاداً يقضي بتغيير مسار مسيرة يوم الجمعة 27\4\2007 فاتخذت طريقاً التفافياً باتجاه الجنوب بدل الطريق المعتاد. وفيما كان الجنود ينتظرون قدوم المتظاهرين من الشارع الرئيس كالعادة فوجئوا بهم عند الجدار. وفي مسيرة الجمعة التالية 4\5\2007 انقسم المتظاهرون إلى مجموعتين، ونجح حوال 50 متظاهراً في الوصول إلى الجدار من الناحية الشمالية وعبروه. قال المتضامن الإسرائيلي جونثان مُعلقاً على ما جرى: (كانت الرحلة شاقة والطقس حاراً، فتسللنا عبر الوادي وتسلقنا الجدار مستخدمين العجلات وأغصان الزيتون، واشتبكنا مع الجنود بين أسيجة الجدار). بدا أن الأجواء محبطة والوضع أكثر صعوبة في هذه المرحلة وحين سألت عضو اللجنة الشعبية أحمد إبراهيم أبو رحمة عن السبب قال: (هناك حالة إحباط فاللجنة الشعبية لم تجتمع منذ مدة. تسبب الروتين والترهل بفقداننا زمام المبادرة التي كانت روح عملنا وقلب وحدتنا).
بعد ثلاثة أشهر خرجت مسيرة يوم الجمعة 10\8\2007 قبل صلاة الجمعة. أفشل الجنود العملية فخرج الشباب بالمظاهرة المعتادة عقب الصلاة. وفي مسيرة الجمعة التالية 17\8\ 2007 تمكن أديب ابو رحمة وبعض الشباب من اجتياز خط غيمة الغاز الجهنمية التي صنعها الإطلاق المكثف لقنابل الغاز، والوصول إلى البوابة. كان ثمن المجازفة باهظاً فانهال الجنود عليهم بالضرب المبرح. وجاء النصر يوم 4\9\2007 حين أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بإزاحة الجدار للخلف فخرج أهالي القرية والمتضامنون في مسيرة ضخمة تقدمها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وعدد من الوزراء وأعضاء الكنيست العرب.
يوم 18\9\2006 اجتمعنا نفر من شباب القرية مع المحامي نير شاليف ودرور إتكس في مركز النضال المشترك، ثم اصطحبانا بسيارتهما في طريق ترابي خلف المستوطنة جنوباً. بدا المشهد انفعالياً وشديد الألم وأنا أحاول استعادة صورة المكان قبل بناء المستوطنة. لقد أحالت الآليات الطبيعة الجميلة إلى ركام والهواء النقي إلى غبار. وصلنا إلى باب المستوطنة فرفض الحارس السماح لنا بالدخول بحجة أننا لا نحمل تصاريح. قال نير: (هؤلاء أهالي قرية بلعين وهذه أرضهم). رد: (هذه كريات سيفر ولا يمكنكم الدخول دون تصاريح). هبطنا من السيارة وغافلنا الحارس وعبرنا ولما انتهينا من الجولة فوجئنا أنه أقفل الباب ولم يسمح لنا بالخروج. تجمع عدد من المستوطنين الغاضبين الذين أعاق إقفال البوابة دخول سياراتهم وبدأوا بالاحتجاج على إقفال البوابة. أضحى المشهد بمثابة مظاهرة لصالحنا، حضرت الشرطة وكان أكثر المتضررين من المشهد أصحاب الشركات، فقد ظهر أن هناك مشكلة تسببت بجعل المستوطنين يتخوفون من مستقبل العيش في المكان.
بعد مدة كنا نجلس في مركز التضامن المشترك فجاء أحد شبان القرية مرتبكاً: هناك شاحنة تنزل أثاثاً في إحدى البنايات بما يخالف قرار المحكمة. اتصل الشباب بالمحامي ثم تحركنا إلى المكان. كنا حوالي عشرين شخصاً نصفهم من المتضامنين الأجانب والإسرائيليين فوجدنا عمالاً ينزلون عفشاً. جلس بعض الشباب على الدرج ومنعوهم من الصعود. تجمع مستوطنون وتطلعوا إلينا بعيون حانقة، وراح عماد برناط -مصور اللجنة الشعبية- يلتقط صوراً ثم صعدنا إلى الشقة المعنية والتقط صوراً لها. ولولت مالكة الشقة: (أنا امرأة كبيرة وزوجي متوفى لو كنا نعلم الحقيقة ما اشترينا الشقة). رد الشباب: (أصدرت المحكمة قراراً بوقف البناء والسكن في المستوطنة، ما تقومون به مخالف للقانون. لقد ضللكم المقاولون، الشركات تبيعكم عقارات في أراضي لا تملكها، هذه أرضنا). في الأثناء وصل عضو اللجنة الشعبية بسمان ياسين ممتطياً دابته برفقة اثنين من أطفاله، فاتصل مستوطن بزملاء له ودعاهم للحضور قائلاً: (حضر عدد كبير من أهالي بلعين ومعهم حميرهم). حاول أن يعربد فأوقف سيارته وسط الشارع محاولاً إعاقة حركتنا. وصل رجال الشرطة وأطلعناهم على وثائقنا فأمروا شاحنة العفش بالمغادرة. ومن شدة غيظه أوقف مستوطن سيارته وسط الشارع محاولاً إعاقة المتضامنين الإسرائيليين الذين هموا بالمغادرة وأخذ يستهزئ بهم قائلاً: (أنتم أبطال!! ها).
مع تحيات أبو علاء منصور
22\9\2020