من قصص الغُربة: الاغتراب حين يتحوّل العطاء إلى نقيضه!
البروفيسور وليد الحيالي
ليست الغربة، في جوهرها، انفصالًا عن الوطن فحسب، بل انفصالٌ مركّب عن المعنى، وعن الإنسان، وعن الثقة بوصفها رابطة أخلاقية. وفي هذا المعنى، تلتقي التجربة المعاشة في المنافي مع ما صاغه الفلاسفة تحت مفهوم الاغتراب، كلٌّ من زاويته.
يرى مارتن هيدغر أن الإنسان يفقد أصالته حين ينزلق إلى الوجود الزائف، حيث تُدار العلاقات وفق المنفعة لا الحضور الإنساني. والغريب، في المنفى، يكون أكثر عرضة لهذا الانكشاف، لأنه يدخل العلاقات باحثًا عن الأمان، لا عن الصراع. وحين تأتي الطعنة ممّن حسبهم سندًا، لا يكون الألم في الفعل ذاته، بل في سقوط الوهم: وهم الأصالة.
أما جان بول سارتر، فقد لامس جوهر الخذلان حين قال إن «الآخر هو الجحيم»، لأن الآخر قادر على تحويلنا إلى موضوع، إلى صورة تُستعمل ضدنا. وفي الغربة، يصبح هذا التشييء مضاعفًا: لا يكتفي الخاذل بخيانة الثقة، بل يسعى إلى تشويه صورة من أحسن إليه، وكأن تحطيم الآخر شرطٌ لتبرير خوائه.
هنا، يدخل كارل ماركس من بابٍ مختلف، لكنه أكثر جذرية. فالاغتراب عند ماركس لا يقتصر على العامل الذي يُسلب نتاج عمله، بل يمتدّ إلى كل علاقة يُفصل فيها الإنسان عن ثمرة فعله، وعن ذاته، وعن الآخرين.
وحين يتحوّل العطاء الإنساني – العمل، الرعاية، الاحتضان – إلى أداة تُستخدم ضد من قدّمه، فإننا نكون أمام شكلٍ أخلاقي من الاغتراب:
أن يغترب الإنسان عن فعله النبيل، لأن هذا الفعل لم يعد يعكس إنسانيته، بل استُخدم لإلغائها.
في هذا السياق، يصبح بعض من احتضنتهم الغربة نموذجًا لما يمكن تسميته الوعي المغترب: وعيٌ لا يرى في العلاقة إلا موردًا، ولا في القرب إلا فرصة. وحين يشعر هذا الوعي بأن المورد مهدّد، يتحوّل إلى معول هدم، لا بدافع الشرّ الخالص، بل بدافع الخوف من فقدان الامتياز.
أما إريك فروم، فيربط هذا السلوك بعجز الإنسان عن أن يكون، فلجأ إلى أن يملك. وحين يفشل في الامتلاك، يدمّر. وهكذا، تتقاطع رؤى ماركس وفروم: الاغتراب ليس فقرًا ماديًا فقط، بل فقرٌ في المعنى، وفقدانٌ للعلاقة السوية مع الذات والآخر.
لكن السؤال الأخلاقي يظل قائمًا: كيف نواجه هذا الاغتراب دون أن نتحوّل إلى ضحاياه؟
الجواب لا يكون في التشهير، لأن الفضيحة لا تُعيد المعنى، ولا في الانتقام، لأن العنف يعمّق الاغتراب. بل في ما يمكن تسميته استعادة الذات المغتربة:
المواجهة الهادئة، ثم العزل، ثم إغلاق الباب… لا بوصفها قطيعة، بل بوصفها فعل وعي.
لقد علّمتني الغربة أن العطاء بلا حدود قد يصبح شكلًا من أشكال الاستلاب، وأن حماية الذات ليست أنانية، بل مقاومة أخلاقية. فكما لا يريد ماركس للعامل أن يُسلب نتاجه، لا يحق للإنسان أن يُسلب معنى عطائه، ولا كرامة فعله.
وهكذا، تتحوّل الغربة إلى مختبر فلسفي قاسٍ، نخرج منه أقلّ براءة، لكن أكثر وعيًا. أقلّ ثقةً بالآخرين، لكن أكثر تصالحًا مع ذواتنا.
فمن ينجو من الغربة، لا ينجو لأنه لم يُخذل، بل لأنه فهم الخذلان، ووضعه في مكانه الصحيح: درسًا لا قدرًا.
2026-01-16