[من راقب الأنظمة مات همًا]!
![[من راقب الأنظمة مات همًا]!رنا علوان 1 cropped rnaalwan](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2022/09/cropped-rnaalwan-150x150.jpg)
رنا علوان
هكذا كان يقول ناجي العلي ، وقد صدق قولاً
ناجي سليم حسين العلي الرسام الكاريكاتوري الذي إمتاز بالفن المقاوم ، كما ارتبط اسمه بشخصية [ حنظلة ] الغنية عن التعريف ، جسّد القضية الفلسطينية في رسوماته التي لا زالت حاضرة حتى تاريخنا هذا ، فقد إحتلت جزءً من الذاكرة لا يموت
ترعرع ناجي العلي في جنوب لبنان بعد أن نزحت عائلته في عام 1948 من الفلسطين الى مخيم عين الحلوة للاجئين
في 25 سبتمبر/أيلول 1961 ، بدأت رحلة ناجي في طريق الشهرة ، بعد ان زار المخيم الصحفي الكبير [ غسان كنفاني ] الذي اطلع على رسوماته ، فاختار إحدها ونشرها له في العدد 88 من مجلة ( الحرية ) وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح
كان لفاطمة [ التي جسدت المرأة الفلسطينية الصابرة ] وحنظلة [ الطفل ذو العشرة أعوام ، والذي ولد في 5 يونيو/حزيران 1969 في جريدة “السياسة” الكويتية ] حصة الاسد من رسومات العلي ، والتي فاقت 45 ألف رسمًا كاريكاتوريًا ، سكب فيها الوجع من الكأس الممتلئ بالقهر بدءً ، بمُعاناة المُخيم ، مرورًا بمجزرة صبرا وشاتيلا ، وتخاذل الأشقاء العرب ، حتى تسببت بإغتياله
[ -اللي بدو يكتب لفلسطين , واللي بدو يرسم لفلسطين , بدو يعرف حالو : ميت
-هكذا أفهم الصراع : أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب
الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة, إنها بمسافة الثورة
-كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي , أنا أعرف خطًا أحمرًا واحدًا : إنه ليس من حق أكبر رأس أن يوقع على اتفاقية استسلام وتنازل عن فلسطين
-متهم بالإنحياز , وهي تهمة لاأنفيها, أنا منحاز لمن هم “تحت”
-أن نكون أو لا نكون, التحدي قائم والمسؤولية تاريخية ]
نور الشريف
لقد كان للممثل المصري [ نور الشريف ] مساهمة في إحياء ذكرى ناجي ولكنها للأسف لم تكتمل ، لا بل تسببت
في أزمة كبرى بينه وبين الكاتب الراحل إبراهيم سعدة ، الذى كان معروفًا برفضه لرسومات ناجي العلي، فقرر منع نشر اسم نور الشريف في الجريدة التي يترأسها ، وشن هجومًا عنيفًا آنذاك على الفيلم ، هو وعدد كبير من كُتّاب الجريدة ، وسريعًا ما توسعت دائرة الإعتراض حول الفيلم المذكور لتطال أقلام أخرى زادت في الهجوم على نور الشريف
لقد تعرض نور الشريف لحملات انتقاد عالية الوتيرة في الصحف المصرية ، ما دفع به ان انهار في البكاء في احدى اللقائات الصحفية ، وتم منع عرض الفيلم في العديد من الدول العربية بحجة تجاهل الفيلم لدور مصر في لبنان ، مع طرح موقف ناجى العلى المعارض للقادة العرب ، وعلى رأسهم الرئيس الراحل أنور السادات
في أعقاب الاعتداء الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في مايو/أيار 2021 ، عادت شخصية “حنظلة” للظهور من جديد في المجال العام رمزًا للاعتراض على الأحداث
حنظلة يمثل كل فلسطيني ، في داخله ندبة من مأساة طويلة ، ليس على وجه الأرض مثيل لها ، إذ لا يوجد شعب يحُول احتلال دونه ودون أرضه ، إلا الشعب الفلسطيني ، ثم بعد ذلك ، أي شيء أصعب من أن ينسلخ الإنسان عنوة عن مهد أجداده ، ويتم حصره في بلده ضمن مخيمات وسجون ، ومعابر حدودية ، او يتم تهجيره منها ، وأي شيء سيعوضه عن ذلك الألم ، حتى وإن فتحت الدنيا برمتها يديها له
كما يضيف كتاب [ أكلة الذئب ] السيرة الفنية للرسام ناجى العلى (1936-1978) للكاتب شاكر النابلسى
وجاء فيه ( ان استعمال اللونين الأبيض والأسود في هذا الرسم وفى جميع رسوم العلى عمل مقصود ومدروس ، فكل من اللونين متناقض متضاد تناقض الحياة العربية وتضادها ، فهناك تناقض وتضاد بين ما يقوله السياسيون وما يفعلونه ، وهناك تناقض وتضاد بين ما نتصرف به في العلن وما نتصرف به في الخفاء ، ولا بد من أن نشير في هذه اللوحة إلى حجم حنظلة الذي يدير دائمًا ظهره لنا نحن المهزومين
ولقد عاد “حنظلة” في مباراة كرة قدم مصرية ، إذ تعمّد (أحمد حمدي عبد القادر) لاعب فريق سموحة لكرة القدم بالظهور واضعًا يده اليسرى خلف ظهره ، مثلما يظهر حنظلة في وضعيته الشهيرة التي رسمها ناجي العلي ، ما يُظهر ذلك لنا ، كيف يستقر حنظلة في وجدان المهتمين بالقضية الفلسطينية وكيف استمر رمزًا لها رغم تعاقب السنين
وعندما سُئل العلي يومًا عن رؤية وجه حنظلة ، أجاب : [ عندما تصبح الكرامة العربية غير مهدّدة ، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته ]
كما أن العلى كان يعي جيدًا دوره ، ويعرف أن مهمة الكاريكاتور فضائحية ، تتركز في نشر غسيل الساسة واهل الشهرة على الحبال وفى الهواء الطلق دون مساومات
أكثر من 36 عامًا على رحيله ، ولا زال ناجي العالي ، يُعد من عباقرة فن الكاريكاتير ليس فقط الفلسطيني والعربي ، بل إنه من أعظم رسامي الكاريكاتير في العالم ، وأحد أعمدته ومدارسه المهمة
ناجي العلي الذي عاش في الفترة من سنة 1937 وحتى سنة 1987 ، كان شاهدًا على المأساة في حقبة معينة من تاريخها الممتد ، لا مأساة فلسطين وحدها، وإنما مأساتنا جميعاً في هذه البقعة المنكوبة من العالم
لقد نظر ناجي العلي إلى قلب المأساة ، وتوجه إلى الهدف مباشرة ، ووضع يده على مواطن العلة والداء ، وحمل عبئًا فادحًا طوال عمره
في 22 يوليو/تموز1987 أطلق شاب مجهول النار على ناجي العلي في لندن ، فأصابه ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 أغسطس/آب 1987
لم يمت ناجي بل لازال حيًا ( حيًا في ابداعه وفي مقاومته وفي قلب كل حُر عربي شريف )
2023-08-30