من خطيئة 17 أيار إلى فتنة اتفاق واشنطن!
مصطفى سعادة أرشيد*
قالت الأمثال: “العاقل من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه”، ونزيد بالقول إن الأشقى هو من لا يتعظ لا بغيره ولا بنفسه؛ وهذا حال لبنان الرسمي اليوم بعد أن تم توقيع الاتفاق التطبيعي مع الإسرائيلي. وكما نعرف من نسخته المعلنة، فإن هذا الاتفاق يجعل من الاحتلال لجزء من أرض الوطن اللبناني احتلالاً شرعياً، كما يعتبر الجزء الأكبر من الشعب اللبناني وكأنه عصابات وقطاع طرق خارجون عن القانون. أما في ملاحقه السريّة، أو التي افترض أنها سرية، فسوف تصبح الدولة وأجهزتها ليست أكثر من فرع من فروع الأمن والمخابرات الإسرائيلية. والنتيجة الواضحة وضوح الشمس، أن هذا الطريق هو الطريق ذاته الذي سلكته الدولة اللبنانية عندما وقعت اتفاق 17 أيار، ومآلات ذلك الاتفاق الذي سرعان ما تهاوى تحت ضربات الرفض الشعبي والمقاومة، وهو الطريق الذي سلكته منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق أوسلو 1993، والشواهد حاضرة لما آل إليه الوضع في فلسطين اليوم.
مع توقيع هذا الاتفاق، وبما لا يخالف ما اتفق عليه الطرفان، تتواصل الحرب المجنونة في جنوب لبنان؛ حيث يمارس الإسرائيلي أقصى ما لديه من قتل وهدم وإحراق، ولكن ما اختلف اليوم هو المشروعيّة التي منحها لبنان الرسمي لذلك السلوك الإسرائيلي الدمويّ، فأيّة مشروعية عند من يدعو العدو لقتل شريكه في الوطن واحتلال أرضه التي أقسم على الدفاع عنها؟!
وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب معنيّة بالتصعيد وعلى جميع الجبهات، خاصة لبنان التي ترى أنها امتداد للحرب مع إيران وهو ما لا تعترض عليه واشنطن بشكل جدّي وحازم، فإن المستوى العسكري في تل أبيب يشارك في الدفع باتجاه مزيد من استعمال القوة للقضاء على المقاومة، وهو الأمر الذي لا يريد أن يشارك به الجيش اللبناني بقيادته الحالية؛ لذلك يرى وزراء في حكومة نتنياهو أن كلاً من الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة لا يمكن الوثوق بقدرتهما على إجبار الجيش اللبناني للقيام بمهمة القضاء على المقاومة، وبناءً عليه فإن جنود الجيش الإسرائيلي هم وحدهم القادرون على ذلك.
على أبواب الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري في الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول المقبل، وها قد أصبحت على الأبواب، فقد افتتح بازارها الانتخابي بشكل لا يزال غير رسمي؛ حيث تتسابق الكتل التي ستترشح في الانتخابات في الإعلان عن مواقفها المتطرفة إنْ مع لبنان وإنْ في الشام، كما في غزة والضفة الغربية. أما في الحيز القومي في لبنان والشام وفلسطين فتعيش الحالة الداخلية حالة انقسام شديد على الثوابت القومية، فيما نرى أن الإسرائيلي متفق على المسائل المتعلقة بالأمن والتوسع والاستيطان، فيما يقف الانقسام الداخلي عندهم عند تخوم مسائل داخلية تتعلق برؤية كل فريق لأسلوب إدارة الدولة، ومسائل إلزام اليهود المتدينين (الحريديم) على المشاركة في الخدمة العسكرية الإلزامية، ومسائل الجهاز القضائي، وتصفية الحسابات مع رئيس الحكومة الحالي.
في غالب الأمر، إن مجموعة الأسئلة المطروحة لن تكون عليها إجابة قبل اتضاح مآلات التفاوض أو الحرب بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية والتي لا زالت أشباح الخلاف تحوم حولها؛ لذلك ترى “إسرائيل” أن لديها فرصة ووقتاً مستقطعاً تستطيع فيه تنفيذ الكثير من أجندتها في محاولة لفرض حقائق على الأرض في الحيّز الفلسطيني والشامي واللبناني.
نمرّ في فترة من الزمن تحتاج للصبر والصمود في فلسطين والتصدّي للاحتلال والمشروع الجديد في لبنان، الذي يمكن وصفه بالقول إن أيّ محاولة من الدولة اللبنانيّة لتنفيذ التزاماتها بهذا الاتفاق سوف تمثل البيان رقم واحد للحرب الأهلية التي اكتوى لبنان بنارها، ويعرف اللبنانيون مقدار فداحة خسائرها…
*كاتب فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-06-30