ثمة ما يؤرّق أوروبا، خصوصاً أن هذا الفوز فاق التوقعات والاستطلاعات التي سبقت فتح صناديق الاقتراع، وكانت لا تعطي "سيريزا" أكثر من 2 أو 3 بالمئة عن حزب "الديمقراطية الجديدة" اليميني، فإذا بهذه الصناديق تعطي الأول 36.6 بالمئة، و149 مقعداً، وتعطي الثاني 27.8 بالمئة، أي 76 مقعداً.
وإذا كان عدد أعضاء البرلمان اليوناني 300 مقعد، فإنه ينقص "سيريزا" فقط مقعدين ليحكم بمفرده، وهو أمر بسيط قد يوفّره من الحزب الشيوعي اليوناني الذي فاز بـ15 مقعداً، أو من حزب "اليونانيون المستقلون" من اليمين الوسط، الذي فاز بـ13 مقعداً، وقد يكون التحالف مع الثاني هو الأرجح، ليخفف الذعر الذي انتاب أوروبا بعد هذا الفوز المبين.
هذا توصيف سريع لواقع حال النتائج اليونانية، لكن الشعارات والبرامج التي خاض بها هذا الحزب الانتخابات، هي سبب القلق الحقيقي لدى أوروبا المتعجرفة، خصوصاً في برلين وفرنسا.
الرأسمالية المتوحشة في بلاد الإغريق أكلت الأخضر واليابس، واندفعت تخصخص كل شيء، أفلست البلاد، وراكمت الديون بأرقامها المخيفة، وبسرعة مذهلة..
كان الحل عند الوحش الرأسمالي هو الوصفة الجاهزة، كما في كل مكان؛ يخضع ويسمع لصندوق النقد والبنك الدولييْن، التقشف الذي يزيد الفقراء فقراً، ويدمر الطبقة الوسطى، والخضوع التام لآليات اقتصاد السوق.
"سيريزا" – حسب برنامجه الانتخابي – سيقول وداعاً للتقشف، لا لدفع الدَّين الذي استوفي أصله، لكنه يتزايد بحكم استمرار الفوائد.
على أوروبا المتوحشة، وعلى الصناديق الرأسمالية الدائنة أن تشطب أكثر من نصف الدَّين، إن لم يكن كله..
اليونان أمام مرحلة مستقبلية هامة، سيكون من أولها التخلي عن اليورو والعودة إلى "الدراخما"، ما قد يشكّل إسفيناً حقيقياً في مسيرة "الاتحاد الأوروبي".. فعلى ضوء نجاح المرحلة اليونانية الجديدة ثمة خطوات أوروبية قد تكون على نفس الطريق.
إسبانيا، المنهكة بالديون، والعجز والتقشف.. البرتغال المكبَّلة بأرقام الدَّين الخطيرة، وغيرهما على نفس الطريق؟
فماذا ستفعل باريس؟
وماذا ستعمل ألمانيا التي تُعتبر الدول الأولى الدائنة في أوروبا؟
الرأسمالية أمام أزماتهأ، فكيف ستجدد نفسها؟ وهل ستصل الانتفاضة ضد الوحش الذي يبتلع كل شيء من أجل الشركات الكبرى العابرة للقارات.. إلى عندنا.
عندنا في لبنان، ثمة حلف وثيق بين المال والسلطة والفساد، والمذهبية.. تحوَّل الناس إلى مجرد أرقام ورعايا ليس إلا، فيموت حس المواطنية والانتماء.
ثمة نهج "أصيل" ومتأصل في الفساد..
لنتابع المسلسلات الفاسدة، من الغذاء إلى كل التفاصيل في حياتنا اليومية، وإن لم تصدّقوا، فاسألوا شربل نحاس، أو جورج قرم، وعودوا إلى أرشيف إميل البيطار.. اسألوا حنا غريب..