من أوراق كتابي (المنسيون) .8!
أبو علاء منصور.
جمل المحامل…
بدت الأسيرة المحررة زهرة قرعوش من بلدة دير بلوط في منطقة سلفيت متألقة مع سحابة حزن تعكر صفو ابتسامتها وهي تتحدث عن بدايات نشاطها الثوري: كنا خلية عسكرية: توفيق عبد الله وزوجته لمياء معروف وأنا ومصطفى قرعوش.
في ربيع العام 1986 كُشفت خليتي، كنتُ في التاسعة والعشرين من عمري، وابني البكر محمود في التاسعة من عمره ومحمد في الخامسة وساهرة في الثالثة. عرفتُ باعتقال رفاقي فاتصلتُ بوالدتي في البرازيل، وطلبتُ حضورها دون أن أفصح لها عن الحقيقة، كنت أريدها أن تعتني بأطفالي. في أول ليلة اعتقال وضعتُ في حمام وأنا مكلبشة. لم يتحدث إليّ أحد. جاءتني العادة الشهرية! لم يكن موعدها! ربما تسبب بها الخوف! طلبتُ فوَطاً فردت السجانة: (ليجلب لك أبو عمار). نقلوني إلى سجن نابلس، مررتُ بين الجنود وثيابي ملطخة بالدماء. كنت أستيقظ، عالم يشدني للخارج وآخر للداخل! إن تغلب عالم الخارج -عالم أطفالي- تحطمت! كنت أخاطب نفسي: (هنا حياتي وعليّ أن أعيشها). بقيتُ قوية من أجل أولادي. كانت معنا في سجن الرملة سرية زقوت، أرملة ستينية من قطاع غزة علمت باستشهاد ابنها وهي أسيرة. ورقية أبو سمهدانة من القطاع كذلك، سيدة سبعينية ابنتها مبعدة، اعتقلتْ وثلاثة من أبنائها في الأسر، وهي شقيقة الشهيد أبو يوسف النجار ووالدة المناضل سامي أبو سمهدانة، استشهد ابنها طارق ولم يكن مضى على زواجه سوى أشهر. سيدة أخرى اسمها مشايخ عمرها خمسة وسبعون عاماً، رفضنا إشراكها في الإضراب، جاءتها زيارة ونحن مضربات فسألت المجندة: (الزيارة لي وحدي أم لكل الأسيرات؟). ردت المجندة: (لك وحدك). رفضت مشايخ الزيارة. وهناك جنان البيطار وهي في السبعين كذلك. في يوم انتهاء محكوميتها بعد تسعة أشهر جددوا لها الحكم. أما حسنية داوود فالروح القيادية في جيناتها. في السجن تتخيل نفسك في مقبرة، وفي أحيان أخرى يصبح ثقل الجدران أخف من ثقل بعض رفيقاتك. السجن عالم فيه كل ما في مجتمع الخارج، المثقف والجاهل، البدوي والمدني، المتزوج والأعزب، الطبيب والمحامي وهكذا. وبالنسبة لي كنت أعاني ظرفاً استثنائياً باعتباري ممثلة المعتقل وأنني مسؤولة عن أشبال مراهقون يجاوروننا في القسم بينهم زكريا الزبيدي، فتية بحاجة للرعاية التربوية والاجتماعية. ذات مرة نادى عليّ مسؤولهم من الطاقة وهو بعمر ستة عشر عاماً وقذف لي بورقة كتب عليها: (محمود سرق مقصات وشرخه من المخزن وجلبها إلى القسم). يا إلهي! ماذا لو تعارك صبيان! ربما يقتل أحدهما رفيقه! قلت للفتى: (ضعها في سطل الزبالة وألق بها في الحاوية دون أن ينتبه لك الشرطي). في مرة ثانية طلبت الإدارة أن يغسل الأشبال ملابسهم في قسم النساء. قال لي أحد الفتية: جمعة سرق الكانتين يا أمي. استدعيتُ جمعة: لماذا تسرق؟ قلتُ ذلك ولطمته ثم أعدنا المسروقات. قال لي الأسير المحرر نواف صوف الذي قضى ثلاثة عشر عاماً في السجن: ظل جمعة يقول باحترام: لن أنسى كفّ أمي زهرة.
أضافت: في السنوات الأخيرة -ما بعد العام 2011- جيء إلى السجن بفتيات هاربات من واقع اجتماعي سيء، الحمد لله إنهن اخترن الطريق الوطني وليس الرذيلة أو الانتحار. هؤلاء دخلن السجن بمفاهيم اجتماعية وخرجن بأخرى مختلفة تماماً، لكنهن لم يجدن من يعتني بهن، فعادت بعضهن للسجن ثانية، بدا لهن السجن أكثر رحمة من الخارج. بعض الأسيرات أردن التجول في الساحة بلباس قصير فمنعتهن. كان هناك فتاة في السادسة عشر من عمرها في منتهى الجمال، بدا أنها تعاني بقسوة. قلتُ لها: (اكتبي كل ما تعانيه على ورق ومزقيه). أردتُ أن تفرغ ما بداخلها من ألم. وثقت بي فراحت تسرد قصصاً مأساوية من حياتها الأسرية. كنت أستمع إليها ودموعي تنهمر: فتاة مغتصبة! شقيقها أسير وشقيقتها انتحرت من فرط ظلم والدها.
سألتُ زهرة: هل يوجد عصافير في سجن النساء؟ أجابت: بالطبع، هناك عصفورات، إحداهن ادعت للأسيرة رولا أبو دحو أنها شقيقتي. عن أقسى لحظات الشعور بالقهر عند السجين قالت: لحظات الغروب! هنا يتكثف الألم فتتخيل نفسك تغيب مع الشمس! كأن السجن نهايتك. ذات غروب ظهر عصفور يدرب فرخه على الطيران! أخطأ الفرخ التقدير فسقط في المنهل ومات! كنت أتأمل المشهد ودموعي تنهمر بغزارة دون أن أنتبه. أضافت عن تجربة أليمة: كنت معزولة حين جاءتني السجانة برسالة من زوجة شقيقي في أمريكا: (سنبذل قصارى جهدنا لعلاج ابنك في أمريكا). يا إلهي! يبدو أنه يعاني مرضاً خطيراً! هواجس شيطانية! ناديت على الأشبال في القسم المجاور: (إن زاركم محامٍ بلّغوه أن يطلبني للزيارة للضرورة). بعد أربعة أيام جاءتني زيارة غير متوقعة، فأشرقت عيناي حين لمحتُ ابني بين الزوار معافى.
قالت عن إضراب العام 1994: أبلغتنا الإدارة أنه سيتم الإفراج عنا عدا خمسة أياديهن “ملطخات بالدماء”. رفضنا ذلك وتجمعنا في غرفتين وأغلقنا الأبواب بالأسرَّة. طلب مني المدير (نيثان) الخروج ليتحدث معي. أجبته: (نموت هنا أو نخرج سوياً). قطعوا عنا الماء والكهرباء فأمهلناهم ساعة وإلاّ حرقنا السجن. دقائق وجللوا غرفتينا بشادر بلاستيكي فأشعلنا النار بالشادر. قمعتنا قوة “نخشون”. وبعد واحد وعشرين يوماً من الإضراب وافقوا على خروجنا جميعاً. لمياء التي كانت تحلم ببناء بيت في دير بلوط وزرع قرنفلة على شرفته أبعدت خارج البلاد، أما نحن رفيقاتها فتحركت بنا الحافلات إلى باب السجن. لمحنا مستقبلينا من الأهل وبيدهم أعلام فلسطين، وهناك مظاهرة يهودية تنادي بعدم الإفراج عنا. أنزلنا من الحافلات وأُعدنا إلى السجن بحجة أن خمس عائلات قدمت دعاوى ضد الإفراج عن خمس متهمات بالقتل. رفضنا الخروج دونهن. عند الحادية عشرة ليلاً نادت عليّ رولا أبو دحو: (قرعوشة سنخرج جميعاً). ضحينا من أجل زميلاتنا وانتصرنا بعد عام ونصف، بيّضنا السجن، كنت متشوقة لرؤية أولادي. لكني حزينة، فخلفنا أسرى لهم أولاد وزوجات! نحن نتنفس حرية وهم يحترقون ألماً. صبيحة يوم الإفراج تجولتُ في الغرف غرفة تلو الأخرى، وأنا أتمعن السجن. اكتشفتُ لأول مرة أنه مبنيٌ بشكل دائري كقفص عصفور: أمن المعقول أنني قضيتُ أعواماً هنا؟! الحمد لله أنني لم أكن انتبهتُ إلى ذلك من قبل. قال لي ضابط الاستخبارات وهو يراقبني: أظن أنك تخاطبين نفسك: كيف عشت هنا؟ أضاف: كل منكن أعظم من أي كولونيل في العالم.
أضافت عما بعد الإفراج: قضى توفيق ومصطفى ستة وعشرين عاماً في السجن وأنا ولمياء أحد عشر عاماً. حين خرجتُ كان بيتنا مهدوماً وعائلتي مبعثرة فالتجأت لبيت والدتي. كان همي الأول أن أعوض ولو بشيء بسيط لأبنائي الذين حرموا مني طيلة هذه المدة. في ذات الوقت شعرتُ أنني سأكون عبئاً على زوجي أو يصبح هو عبئاً عليّ فقلت له: (كامرأة ليس لديّ ما أعطيك إياه). دعمته بثلاثة آلاف دينار وتزوج بعد ثلاثة أشهر وبقيت علاقتنا طيبة. استدنتُ خمسة عشر ألف دينار وبنيتُ بيتاً لأولادي. ما زلت أشعر أن أكتافي تؤلمني من قسوة المعاناة.
تأوهت: هناك من يحسدون الأسرى المحررين: هذا مدير، ذاك يتقاضى راتب كذا! من يقولون ذلك لم يجربوا السجن. ما قيمة المال والرتب قياساً بالألم؟ مخدة الأسير ودموعه تعرف معاناته. في السجن أنجبت الأسيرة انتصار القاق طفلتها البكر وطن. رُحنا نجمع حصصنا من قطع الدجاج لنطعم الولاّدة! هل يعي من يتشدقون بالكلام معنى أن تلد سيدة وهي مقيدة اليدين والرجلين وبعيداً عن دعم والدتها؟ ما زال كمٌ كبير من الألم يُختزن في داخلي. يخرج الأسير من السجن بمفاهيم التضحية والزهد، فيفاجأ بالمجتمع لم يتغير. أنت تغيرت وبقي المجتمع على حاله. ليس من اليسير أن يعود الأسير لممارسة حياته الطبيعية، لقد احتجتُ وقتاً طويلاً حتى بنيتُ جسوراً مع أطفالي. كانت ابنتي تخجل مني! شيء شديد الألم والطفلة تلوذ بحضن جدتها بعيداً كأنني غريبة. شيء طبيعي وقد اعتقلتُ وهي في عمر الثالثة وتحررتُ وهي في الرابعة عشرة. حياة الأسير ليست كلها بطولة، يضعف وأحياناً يلامس اليأس، ربما يستقي القوة من تجارب ضعفه.
تساءلتُ مع نفسي وأنا أنظر في عينيّ زهرة: بأي قوة يلتقى الأسير الذي قضى عشرات السنين في السجن زوجته؟ بشوق الظمآن أم بعجزه! كيف استقبلته هي؟ هل تسبب ألم الفراق بجفاف منابع العاطفة؟ ما الذي فعلاه حين اجتمعا وحيدين تحت سقف واحد في أول ليلة؟ لم أتجرأ على طرح هذا السؤال على أي من الأسرى المحررين المتزوجين.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا
2020-05-27