من أوراق كتابي (المنسيون) /ا12!
أبو علاء منصور.
(المجنونة)
كلما التقيتُ أسيراً أو أسيرة سابقين تثور في رأسي تساؤلات كبرى: ما سرّ الطاقة البشرية؟ من أين تنبع؟ كيف تشتعل وتتفجر؟ تدافعت هذه الأسئلة في رأسي، وأنا أستمع للأسيرة المحررة فايزة عاصي التي التقيتها في مكتب اتحاد لجان المرأة وسط مدينة رام الله، سيدة في السابعة والأربعين لكنها تبدو أصغر من ذلك. قالت فايزة: كنتُ في السابعة عشر من عمري حين اعتقلتُ عام 1991 بعد محاولة طعن مستوطن وسط مدينة رام الله. كنا في أوج الانتفاضة الأولى، جو مفعم بريح الثورة، وأثرّت في جنازة الفتاة من قريتنا فايزة أحمد إسماعيل التي استشهدت في القدس أثناء محاولتها طعن جندي إسرائيلي فقررتُ اقتفاء دربها. شهرين وأنا أُفكر وأتهيأ، لففتُ سكيناً داخل حوائج وأخفيتها في “المتبن\غرفة الماشية”. اغتنمتُ فرصة غياب والدتي في الحقل وحملتُ سكينتي الملفوفة كأنها رضيع وصعدتُ في أول سيارة من قريتنا بيت لقيا. بقيتُ أجوب الشوارع في رام الله باحثة عن هدف. كدتُ أيأس! ماذا أقول لأهلي عن غيابي طيلة هذه الساعات الطويلة؟ بكيتُ وأنا أدعو: يا رب سلّك أمري. فجأة ظهر مستوطن فهتفتُ “الله أكبر” وطعنته. وليتُ هاربة فانهمر رصاص، لم أنتبه إلى أنني أُصبتُ، لكن قواي انهارت وسقطتُ على الأرض. رصاصتان في كتفي وثلاثة في يديّ! نقلوني مكلبشة إلى مستشفى هداسا ومن هناك إلى سجن المسكوبية. من أرسلك؟ قلتُ: قمتُ بعمليتي تضامناً مع صدام حسين. شهرين ونقلتُ إلى سجن تلموند\الشارون. زارتني والدتي فنصحتني أن أدعي أنني مريضة نفسياً. كيف سيصدقون ذلك وأنا أعمل في المطبخ والكل يعرفني؟ قالت: سيفهمون أن المرض عاودك وعليك أن تتقني الدور. بدأتُ أتظاهر بالجنون مستفيدة من حركات أسيرة مصابة بمرض نفسي. أتقنتُ الدور حتى تيقن الكل أنني مجنونة حقاً. كنتُ أعمل مشاكل مع المجندات وأسبهن. كان الشرطي -أبو شحادة- ينتقم مني. في إحدى المرات تركتُ الماء ينسكب من حنفية الحمام فتسرب إلى الطابق السفلي حيث الأسيرات. في مرة ثانية أشعلتُ النار في الفرشة فكدتُ أختنق. ضربٌ وتعذيبٌ ونقلوني إلى غرفة دون فراش. في اليوم التالي سكبتُ الشوربة على إحدى المجندات فكلبشوني على السرير. نقلتُ إلى قسم الأعصاب -المجانين- في عيادة سجن الرملة. قذفني المرضى النفسانيين بالبندورة والخيار والعلب الفارغة. اشتكوتهم فقيل لي إنهم مجانين مثلك. كنتُ أُغني طيلة الوقت. وحين أصحو في عمق الليل، أتذكر أفعالي في النهار فأفرط من الضحك. نقلتُ إلى المحكمة ومعي تغريد أبو خرمة وآمنة الريماوي. أجبتُ على أسئلة القاضي بطريقة جنونية، فطلب لي سبع سنوات سجن مع هدم المنزل. حكمتُ عامين ونصف وأفرج عني بعد عامين واكتفوا بإغلاق المنزل عوض هدمه. ربما شفع لي جنوني وصغر سني ولأن المستوطن لم يمت. ساعدني برنامج تأهيل الأسرى فتعلمتُ كوافيرة، وأعطوني راتباً شهرياً لمدة ستة أشهر. فتحتُ صالوناً في القرية. أنا جريحة وأعاني إعاقة جسدية بنسبة “50%” وأتقاضى راتب ألف وسبعمئة شيقل. في السجن كنتُ أخشى أن لا أتقن دور المجنونة، وفي بعض الأحيان أردتُ التراجع! تعبتُ كثيراً لكني لو بقيتُ في السجن عشر سنوات لبقيتُ أُمثّل. كنتُ أخاطب نفسي: طالما فتحتُ الطريق عليّ أن أكمله. قالت لي المحامية: “اثبتي على جنونك، إن كشفوك ستُحكمين عشرين عاماً”. أنظر في عينيّ فايزة وأتساءل: ما القوة التي مكنتها من تمثيل دور المجنونة لعامين كاملين؟ فايزة امرأة من فولاذ.
يتبع غدا
2020-06-06