من أسر الدور إلى أفق الموقف!
خالد عطية
قراءة الدكتور إياد البرغوثي، كما عرضتها الدكتورة غانية ملحيس، تشكّل إسهامًا فكريًا شجاعًا في إعادة فتح النقاش حول طبيعة الفعل السياسي العربي في زمن الهيمنة الإمبريالية–الصهيونية، وعلاقته المركبة بالإسلام السياسي. كلا النصين، بطريقتهما، قدّما خدمة كبيرة للحقل النقدي العربي: الأول بتشريحه العميق للوهم الأيديولوجي للأنظمة العربية من خلال مفهوم “الدور”، والثانية بتعميق التحليل وإضافة أسئلة جديدة تتجاوز النص الأصلي نحو مساءلة أوسع للإسلام السياسي.
ومن منطلق التقدير للطرحين والرغبة في المساهمة في النقاش الذي فتحاه، يمكن التقدّم إلى اشتباك تحليلي معهما عبر ثلاثة محاور رئيسية.
في نص الدكتور البرغوثي، نجد تفكيكًا بارعًا لأنظمة الحكم العربية بوصفها كيانات وظيفية تؤدي “أدوارًا” تمليها عليها بنية السيطرة الخارجية. في حين دعت الدكتورة غانية إلى النظر كذلك إلى موقع الإسلام السياسي نفسه، بوصفه ليس بديلاً معصومًا ولا كتلة متجانسة، بل تيارًا مرّ بتجارب شابتها إخفاقات في الحكم، واستسلام أحيانًا لإغراءات السلطة، وعجز عن تجديد خطابه وإنتاج مشروع وطني جامع. هنا تبرز الحاجة إلى تضمين هذه المراجعة النقدية ضمن المقاربة الأوسع، بحيث لا يُختزل التحليل في رصد حركة الأنظمة وحدها. فالإسلام السياسي بدوره انخرط في لعبة “الدور” حين اندفع إلى صناديق الاقتراع في الربيع العربي من دون امتلاك رؤية متكاملة للدولة ولا تحالفات مجتمعية راسخة. ومن هنا فإن مساءلة الخطاب والممارسة داخل الإسلام السياسي تظل جزءًا لا ينفصل عن مساءلة الأنظمة.
في المقابل، تفتح المقاربة التي قدّمها الدكتور البرغوثي سؤالاً مهمًا: هل “الدور” مفروض بالكامل من الخارج؟ أم أن الأنظمة أنتجت لنفسها أدوارًا بدافع حماية امتيازاتها الداخلية واستمرار حكمها؟ يبدو أن المفهوم بحاجة إلى بعض التدقيق: فالتبعية البنيوية للمنظومة الإمبريالية لا تنفي أن للنخب العربية مصالح راسخة تجعلها تتحرك أحيانًا كفاعل نسبي ضمن قيود تلك البنية. بهذا المعنى، يبدو “الدور” مزيجًا من إملاء خارجي وإعادة إنتاج ذاتي للهشاشة والارتهان. وهذه الملاحظة تكمل التحليل ولا تنفي وجاهته، بل تمنحنا أفقًا لتصور إمكان الفعل الذاتي والمبادرة. فالأنظمة ليست ضحية تمامًا، وليست فاعلاً حرًا بالكامل، بل شريك وظيفي في بنية السيطرة لأنها تستفيد منها للبقاء.
أما فيما يتعلق بالسياق الشعبي، فقد ركّز كلا النصين على الفاعلين من أعلى: الأنظمة، القوى الإمبريالية، الإسلام السياسي. لكن ثمة حاجة لاستحضار الشعوب — بصفتها المحور الحقيقي للصراع ومصدر شرعيته — في صلب التحليل، لا كخلفية صامتة بل كفاعل محتمل وقادر على تغيير المعادلة. إعادة السياسة إلى معناها التحرري الأخلاقي تتطلب إدخال السياق الشعبي في قلب التفكير، حتى لو بدا اليوم مقموعًا ومفتتًا. فالمأزق الحقيقي يكمن في أن الجماهير وجدت نفسها بين نظام فاقد الشرعية وحركات إسلامية فقدت الثقة، ومثقف يكتفي أحيانًا بتسجيل موقف. ولذلك، يبدو أن الخروج من مأزق “الدور” إلى أفق “الموقف” لن يتحقق ما لم يُدمج الشعب في المعادلة، ليس فقط كرقم انتخابي عابر، بل كصاحب مصلحة أصيلة في التحرر وإعادة تشكيل شرعية الفعل السياسي من أسفل.
بهذه الروح، يمكن تحويل النقد إلى برنامج فكري وعملي يعيد السياسة إلى معناها التحرري، ويستعيد الفكر موقعه كفعل نقدي، والمقاومة بوصلتها نحو فلسطين، لا بوصفها مجرد شعار، بل كمعيار استراتيجي يعيد ترتيب المفاهيم والولاءات والتحالفات.
كل التقدير للدكتور إياد البرغوثي والدكتورة غانية ملحيس على جرأتهما الفكرية في طرح أسئلة عميقة ومؤرقة، ومساهمتهما في إثراء النقاش. فالمهمة التي نحاول الاضطلاع بها هنا لا تتعارض مع ما قدماه، بل تستكمله بنقد بنّاء واشتباك خلاق، يحررنا من أسر النصوص المغلقة، ويفتح أمامنا فضاء الأسئلة التي تصنع المعنى وتستنهض إمكانات الفعل.
2025-07-17
