منهج التحليل النفسي في السياسة !
ابو زيزوم الغري.
محطة منفصلة
هذا الموضوع الذي أخوض غماره موضوع مترابط في أغلب عناصره ، يكاد ان يكون قصة واحدة او مسلسلا . لكني أستهله بمحطة منفصلة قائمة بذاتها . وهي المسألة التي وجهها السياسي احتلال صدام حسين للكويت . وهذا الوجه معروف ولا يحتاج لتعريف . أما الوجه الآخر الذي نحن بصدده فيتعلق بالعامل النفسي الذي دفع لإتخاذ ذلك القرار الخطير .
وقبل ولوج الموضوع لا بد من تخفيف حالة معينة بنى عليها محللون كثيرون تحليلاتهم بينما قوائمها لا تتحمل بناءً بهذا الحجم . أعني لقاء السفيرة الامريكية گلاسبي بصدام حسين قبل الاجتياح بفترة وجيزة ، ذلك اللقاء الذي فُهم منه ان الولايات المتحدة لن تتدخل في حال قام العراق بغزو الكويت .
من الخطأ الإعتقاد بأن صدام قرر دخول الكويت بناءً على تلك الرسالة الدبلوماسية فقط . فعلاوة على انه ليس جاهلا في شؤون السياسة لديه نخبة من المستشارين الأكفاء ولا ريب انهم عكفوا على تحليل أقوال السفيرة ومحّصوها تمحيصا وتوقفوا مليّاً عند احتمال ان تكون مصيدة . ثم انه كلام شفوي لا يترتب عليه إلتزامات أمريكية .
انا مقتنع تمام الإقتناع بأن صدام حسين اتخذ القرار قبل ذلك بعشر سنين على الأقل . ومن الدلائل على ما أقول انه رفض طلباً كويتياً في أوائل الثمانينيّات لتثبيت الحدود بين البلدين بينما وافق على الترسيم في نفس الفترة مع بلدان اخرى مجاورة . انه مثل عراقيين كثيرين يؤمن بأن الكويت عراقية ويجب ان تعود . والأهم من ذلك يريد ان يكون هو بطل إعادتها وليس سواه . غير أن ظروفاً موضوعية جعلته في سباق مع الزمن . فالحرب مع ايران امتدت عقداً من الزمن ، ولما وضعت أوزارها كان الوضع العالمي يختل في غير صالح العراق . فالكتلة الاشتراكية ينفرط عقدها والاتحاد السوڤييتي يحث خطاه نحو التفكك .
لصدام حسين حديث ادلى به في الاْردن قبل غزو الكويت بشهور قليلة توقع فيه انهيار الاتحاد السوڤييتي وان تستفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم لسنوات . ومن غير المنطقي ان يقدم سياسيٌ يرى الأمور بهذا الوضوح على تحدي أمريكا في صلب مصالحها . لكنه فعل !. وتلك هي المسألة التي لم اجد لها تفسيراً عقليا بل وجدت تفسيرها في علم النفس . فالعاشق الولهان قد يقتنع بأن معشوقته لا تصلح زوجة ومع ذلك يخالف قناعته الباردة ويستجيب للعواطف المشبوبة ويتزوجها . لا دخل للوعي والثقافة والذكاء بهذا الموضوع . انه السجال الدائم بين العقل والقلب . فصدام مقتنع كما قال بلسانه ان امريكا ستسود العالم زمناً . وهو يعلم كما يعلم الجميع بأنها لن تسمح بظهور بسمارك جديد بين العرب . فالذي لم تسمح به والاتحاد السوڤييتي يشاطرها الكرة الأرضية لن تسمح به وقد أضحت بلا منازع .
العاشق حين لا يستطيع التخلي عن حبه يبحث عن مسوغات لبلوغ الحلم وان كانت غير مقنعة . كذلك صدام يدرك ان انتظار صعود قطب دولي جديد يعيد التوازن للعالم معناه التخلي عن هذه الأمنية ، لأن الانتظار يتطلب وقتاً قد لا يسمح به العمر . فالبديل هو الاستعجال قبل ان يزول الاتحاد السوڤييتي بالكامل . انه البحث عن مبررات ولو كانت واهية يقنع بها نفسه كما العاشق الولهان . وطبعا تدخل تطمينات گلاسبي في هذا الإطار ووجود الاتحاد السوڤييتي كهيكل مثل اسد يحتضر لا تجرؤ الحيوانات على الاقتراب منه قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة .
( ابو زيزوم _ 727 )
2019-10-20