ملهاة تبحث عن كاتب ساخر!
بقلم بكر السباتين..
كلمة عشا الدوايمة في البرلمان الأردني ما بين دواء إعادة الشم والقطار السريع..
حينما يتحدث النائب الأردني أحمد عشا الدوايمة بمسؤولية عن موضوع يتعلق باختراع دواء تقدم به أحد العلماء الأردنيين، يمكنه إعادة حاسة الشم لمن فقدها من جراء الإصابة من فيروس كورونا، فهو يذكرنا بأمرين ما زلال يعاني منهما القطاع العام، بكل مستوياته، إنهما: الترهل الإداري والروتين القاتل من جهة، ثم ضيق صَدْرِ المسؤولين حينما تُطرح عليهم الأسئلة الجادة من جهة أخرى.. إلا من رحم ربي.
وحتى نفهم ما قيل حول اعتراض نائب رئيس الحكومة على عبارة قالها النائب أحمد عشا الدوايمة: في أن “الحكومة ما بتشم”، دعونا نوضح الأمرين أعلاه على النحو الآتي:
أولاً:- الترهل الإداري والروتين القاتل.. وهذا يعيدنا إلى قصة مشروع “مصنع القطارات السريعة” الذي عرضه المواطن الأردني المهندس محمد عيد، على وزرارة الصناعة والتجارة؛ كي يُسْتَثْمَرُ في الأردن فلاقى من المعنيين تهاوناً واستخفافاً بالفكرة كأنها درب من المستحيلً حتى تبددت جهود المهندس عيد في الروتين القاتل، لا بل جوبه المشروع من قبل البعض بسخرية لاذعة واستخفاف مهين ما أحبط من عزيمة المخترع العنيد الذي لم يُلقِ بالاً بكل ذلك؛ بل حزم حقائبه باتجاه تركيا..
كانت نهاية حزينة للمشروع في نطاقه الأردني، رغم أن المهندس عيد، في سياق شرحه لفوائد المشروع للمعنيين الأردنيين، أوضح لهم بأن هذه القطارات الخفيفة تعد من أفضل وسائل النقل الحديث؛ لسرعتها وانعدام الضوضاء التي قد تنجم عن حركتها، بالإضافة لتوفيرها الطاقة والتقليل من التلوث البيئي، ناهيك عن كونها تتسع ل330 راكباً وتسير بسرعة 80 كم في الساعة.. حيث أعرب المهندس عيد عن امله في أن يقيم مثل هذه القطارات الخفيفة في العاصمة عمان وضواحيها، مؤكداً انها افضل بكثير من مشروع الباص السريع الذي استنفد الوقت المهدور دون أن يحقق التطلعات وفق مراقبين.
واضطر المهندس عيد -أخيراً- ليسحب مشروعه ويقيمه في تركيا التي اهتمت به بعناية.. وأقامت مصنعاً ضخماً لذلك في مدينة بورصا.. وهو الآن يصنع أفخر القطارات بكافة أشكالها؛ وصار بوسعه إقامة عدة أفرع للشركة في بعض الدول المجاورة مثل إيطاليا – في سياق الصناعة المتكاملة- باسم تركيا.. فماذا لو وصف نائب أردني مثل د أحمد عشا الإجراءات الروتينية التي أدت إلى إجهاض فكرة القطار السريع أردنياً؟ كأن يقول:” قطار يشيل كل مترهل من الطريق”.. (!!!!) فهل ستطالب أو النواب بسحب العبارة المفعمة بالإيحاءات الجادة والترميز الموضوعي، من كلمة النائب، أيّ كان صاحبها!
وقد سلم مديرُ شركة بلو انجينيرنج الإيطالية (شريك بالمشروع) المهندسَ الأردني محمد عيد أول دفعة قطارات خفيفة لمدينة إسطنبول ضمن الاتفاقية المبرمة بين الجانبين والتي سيتم من خلالها تزويد تركيا بـ100 قطار خفيف خلال ثلاث سنوات.. وخرج الأردن المحوج للتنمية الصناعية من هذا المشروع العملاق بخفي حنين… مع أن الفرصة ما لبثت متاحة أمامه لتصويب الإجراءات ومنح الفرص لأفكار جديدة.. “فلا يلدغ مؤمن من جحر مرتين”.
ثانياً:- الاهتمام بالشكل على حساب الجوهر..
إن قصة مشروع القطار أعلاه تفسر ما لاقاه الطرح الجاد الذي تقدم به النائب أحمد عشا الدوايمة الذي قال عبارة “الحكومة ما بتشم” تحت قبة البرلمان الأردني بشأن الدواء الذي ابتكره طبيب أردني من شأنه أن يُمَكِّنَ المريضَ من استعادة حاسة الشم.. وذلك في سياق حديثه عن الأزمات المتفاقمة في المجتمع الأردني ومنها ظاهرة الفقر المدقع، وكان يقصد أن الحكومة لا تبذل المزيد من الجهد في مواجهة الفقر، وعليه! فهل تحول المجلس إلى مصيدة للعبارات التي تقال على ألسن بعض النواب؛ لتؤولها الحكومة أو بعض المناكفين من النواب بضيق صدر؛ ما يوحي بالكثير مما لا نتمناه في سياق الأداء الحكومي والنيابي.. ومن ذلك أننا في الأردن حكومة وشعباً بتنا لا نطيق ذرعاً بكل ما هو جديد حتى لو كانت له عائدات سخية على الناتج المحلي.. فهل كفر المخترع وكل مبتغاه أن يستثمر في الأردن! فتبنى النائب عشا الدوايمة قضيته!
فكل ما قاله النائب الأردني أحمد عشا الدوايمة وعلى رؤوس الأشهاد: بأن “هناك منتج طبي يقوم أحد الأصدقاء بتطويره، وهو يستخدم في استعادة حاسة الشم بعد الشفاء من فيروس كورونا أنصح الحكومة أن تستعمله”. وهذا طرح جاد ولافت للاهتمام! فما الضير من طرحه!
ثم هاجم ذات النائب الحكومة (وهذا مشروع في كل برلمانات العالم الحر) بسبب “حجم الفقر والبطالة والآفات” وهنا يضع النائب يده النظيفة على الجراح.. فلماذا يحول البعض تركيز المجلس عن جوهر الطرح إلى موضوع العبارة التي جاءت ملمّحة إلى أن الحكومة عليها أن تستخدم هذا الدواء! وكما نطقها حرفياً “خلي الحكومة تشم” .. وكأنه يقول” طفح الكيل يا مسؤولين” وجوهر ما قاله يعبر عن نبض الشارع.. فهل نطق النائب كفراً!
ألا تندرج هذه العبارة في سياق السخرية الموضوعية الجادة التي يراد منها لفت الانتباه وليس الإهانة! أم أن بعض نوابنا أو الوزراء لا يقرأون ما بين السطور؟ ولا أريد أن أقحم موضوع مرتب النقص الذي يردده مثيرو الفتن والذباب الإلكتروني في مواقع التواصل الاجتماعي فهذا ديدن من يصطاد في المياه العكرة لأن الموقف جاد والطرح الذي تبناه النائب موضوعي.
فماذا استفاد إذن نائب رئيس الحكومة، والذي طالب (ربما بحسن نية) خلال كلمته بشطب تلك العبارة التي وجدها بأنها غير لائقة وربما ذكرته بما تلفظ به النائب أسامه العجارمة مع أنه شتان ما بين الأمرين!. ولو أمعنتم النظر في معنى العبارة أعلاه لوجدتم مغزاها في عبارة كثيرة التداول في كل المناسبات كما أسلفنا وهي: “طفح الكيل يا حكومة” ولو أمعن النواب النظر فإنهم سيجدون في الأولى سخرية جادة وإن كانت لاذعة، بينما في الثانية يتبدّى التهديد والوعيد بجلاء، مع أن العبارتين تُقَالان في كافة المناسبات ولا غبار عليهما ولا يجوز تأويلهما لتغطي على مضمون كلمة النائب الدوايمة الجادة.
واستكمالاً لوصف الموقف فبالرغم من أن النائب الذي تعرض لمحاولات وقفه عن الكلام من قبل بعض زملائه النواب، إلا أنه ظل يلوح بعلبة الدواء التي كانت في يده وكأنه يصر على أن الاختراع الذي بين يديه هو جوهر الموضوع وليس التعليق الذي انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم.. ثم وضع علبة الدواء أمامه على مرأى فريق الحكومة.
لقد حدث ذلك خلال مداخلة النائب الدكتور أحمد عشا الدوايمة حول ملحق الموازنة العامة.
فهل يُسْتَنْصَحُ مخترعُ الدواءِ -على خلفية ما جرى- بغير النائب الدوايمة ليأخذ اختراعَهَ إلى تركيا؛ كي يرى النور هناك! هل بتنا في الأردن نستسهل الأقوال على الأفعال بعدما تحولت التنمية إلى عبء بذريعة نقص الموارد بدلاً من أن تكون مفتاحاً للولوج إلى المستقبل البهي! مجرد سؤال لا يراد به إلا الخير وصلاح الحال!
فمن باب الواجب أضم صوتي إلى صوت النائب الدوايمة وأصر على أن اختراعاتنا يجب أن تستثمر أردنياً في سياق تنمية تسير بنجاح وقد وأدت الحكومة كل أسباب التباطؤ والفساد، ولنترك تلك العبارات التي تسقط عفوياً في سياق ما يقال عن غير قصد وإن كنت لا أشجع عليها لكثرة تأويلاتها التي تضيّع أوجه الكلام.
ووفق الله كل من كان قلبه على الوطن.. فكلنا جنود نسعى لحقوق المواطنة غير منقوصة ونؤمن بأن لدينا واجبات.. حتى تدور عجلة التنمية بكل مساراتها بنجاح وخاصة محور الابتكار والإبداع الذي لا بد من إيلائه كل اهتمام.
26 أوغسطس 2021