ملحوظات عن الثورة المستحيلة
ثريا عاصي

أعتقد ان استخدام مفردة الثورة في هذا الزمان يحتاج إلى توضيح … وربما إلى تعريف ماذا نفهم في سنة 2017 بالثورة .
طبعاً أتناول شخصياً هذه المسألة بصفتي مواطنة عادية، بكل تواضع وبساطة .
فالثورة كما أتصورها، ترتكز على إدراك عميق، عقلاني، لما هو قائم، موجود، في إطار الشراكة الوطنية، أي في نطاق الوطن، إدراك حقيقة العيش المشترك، المشروع الوطني، الإنتاج، التعليم، الطبابة، التطوير، التقدم، الاستعداد للمستقبل، البقاء في مسيرة الشعوب والدول على الصعيد العالمي إلخ… إعتبار هذا كله، مع التشديد على أن الموضوع هو موضوع وطني بحت، داخلي، ضمن الجماعة الوطنية أو الأمة الوطنية…
أن الإهتمام بهذه المسألة غايتها التوق إلى الأحسن، الأفضل، كفاح الخطأ والظلم والفساد .
من البديهي ان الدولة الحقيقة تمتلك من باب الحيطة مؤسسات مهمتها مراقبة الإدارة والأداء الوظيفي وتطبيق القوانين وملاءمتها لتوفير الشروط اللازمة للعمل والأمان الإجتماعي.
وإلى جانب مؤسسات الدولة الرسمية من المفروض أن توجد أيضاً حركات وأحزاب جماهيرية، تتولى بدورها مراقبة الأوضاع الحياتية وتنظم نقاشات وحوارات حولها بقصد الوصول إلى أفكار وإقترحات تعكس أمام مرأى الناس وجهة نظر الحزب والحركة السياسية في معالجة الصعوبات والأزمات التي تعترض المسيرة الوطنية .
يمثل هذا العمل السياسي الحزبي، الشعبي الجماهيري، عنصراً هاماً في بنية الكيان الوطني بما هو رافد من روافد التفكير الذي يغذي سياسات الدولة من جهة والوعي الشعبي من جهة ثانية.
مجمل القول أن الكيان الوطني يتأثر سلباً أو إيجاباً بالعلاقة التي تربط بين الدولة المركزية ( وهي واحدة ) من جهة وبين الأحزاب والحركات الوطنية (وهي حكماً متعددة) والجماهير الشعبية من جهة ثانية .
السلام الإجتماعي والتقدم الإقتصادي والأزمات والثورات والإصلاح، هذا كله تابع للعلاقة الحصرية بين هذا الثلاثي . كل تدخل خارجي في هذه السيرورة، او المعادلة الوطنية يشكل خطراً على الوطن، هو ليس ثورة بل هو مؤامرة على الوطن!
ينبني عليه أن ما جرى باسم الربيع العربي لم يكن ثورة على الإطلاق استناداً على أن العوامل الخارجية كانت فاعلة بقوة في « الثورات « التي سمعنا عنها .
بحسب خبير سياسي وأكاديمي تركي إن 80 % من العمل العسكري ضد الدولة السورية أصله الحكومة التركية ! فهي التي أرسلت مقاتلين وهي التي جندت المقاتلين السوريين وغير السوريين، هي التي كانت وراء خلق «شرعية» بديلة، جيش حر، ومجلس وطني وإئتلاف وطني، وهي التي اشترت النفط من «داعش»، وهي التي أمدت جبهة النصرة «تنظيم القاعدة» في المواجهات ضد الجيش العربي السوري، بالتنسيق طبعاً مع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا والدول الخليجية . هذه أمور صارت واضحة وضوح الشمس، وبالتالي فان الكـلام عن «ثورة» في سوريا هو مسخرة !
هذا لا يعني أن الأوضاع في سورية وغيرها لا تحتاج إلى إصلاح أو إلى ثورة .
ولكن ما أود قوله فقط هو أن الثورة مستحيلة في هذا الزمان، لأن السلطة الوطنية العربية تفرّغت للدفاع عن نفسها وتخلت عن قطاعات واسعة في مجالات الإقتصاد والخدمات الإجتماعية وفي الدراسة والتحضير لرؤية مستقبلية إنمائية من أجل الأجيال القادمة !
هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فيمكننا أن نكتفي في هذا الموضع بالقول أن الأحزاب والحركات السياسية في بلدان العروبة (أقصد ببلدان العروبة تلك التي ساهمت بطريقة أو بأخرى في حرب 6 أكتوبر/ تشرين أول 1973 إلى جانب مصر وسورية) أضعفت أو أسكتت أو هُجرت بواسطة أساليب ووسائل منها إطلاق حرية وتشجيع التيارات السياسية الدينية بقصد إغلاق الأبواب أمام الفكر السياسي والتظاهرات المطلبية وإغراق المجتمع في سجالات عقيمة حول أقاويل وفتاوى ناهيك عن الدعاوى القضائية بتهمة «الكفر» والاغتيالات !
ومن نافل القول أننا لا نستطيع، في منطقة الشرق الأوسط أن نغفل عن مقاربة موضوع الثورة، مسألة الصراع ضد الإستعمار الإسرائيلي والموقع الجيوستراتيجي وإنتاج وإحتياطي النفط، إذ يترتب عن ذلك حضور عسكري كثيف للولايات المتحدة الأميركية، ولحلفائها الأوروبيين. لا شك في أن لذلك تأثـيراً كبيراً على الأوضاع السياسية الوطنية .
أكتفي بهذا الإستطراد فأقتضب وأقول، ان الثورة الوطنية مستحيلة، في الظروف الراهنة، في بلادنا، وأن الأزمات الداخلية إذا تفجرت، وبالمناسبة يمكن أن يحدث الإنفجار نتيجة لتدخل عوامل خارجية، فإن ذلك سيؤدي، في أجواء انتشار الفقر والجهل إلى جانب غياب الحركات السياسية والبرنامج الثوري، سيؤدي إلى حروب تدميرية دموية وليس إلى ثورات !
خلاصة القول أن الولايات الاميركية، لا تسمح بالثورات، أما «الثورات» التي تدعمها فهي في جوهرها ثورات مضادة استباقية !
2017-02-05