تعد هذه المقامة القصيرة من أغنى النصوص في أدب الجراء . فهي كما يبدو وليدة احتقان إبداعي طويل في مثانة الوجدان ، انغمست فيه روح الجرو طويلا تتقلب بين عذاب الوصول ورهبة الوصل ، إلى أن بلغ نرفانا تجاوز الذات ، ونسي أنه جرو بشري ، فأخذ ينبح بالكلام .
استمعت إليه ، لأرى تفوق الجرو على الإنسان ، وهل تصيبه أعراض المضمون فيبدو شبيها بالجرو بطريقة ما ، فلم ألحظ فيه تغيرا لافتا سوى أنه كان يعض بعض الكلمات عند مرورها بين أسنانه ، وخاصة كلمة الشعب السوري والأسد ، لقد خيل إلي للحظة أن الملابس تبدو غريبة عليه بعض الشيء ، ولكن ذلك كان مجرد انسياق كما أظن ، مع تداعيات فكرة أنهم في الغرب يدللون الكلاب ويلبسونها الملابس ويسمونها بأسماء المشاهير ، رغم انهم لا يدللون عربهم حتى ولو كانوا كلابا . ومما كان يلفت نظري حقا بالنسبة للجرو ، هو حركات يديه الشبيهة بحركات دمية تتحرك بالبطارية ، أو حركات ” الدرداس ” في أفلام الكرتون . ولكن لا علاقة مباشرة لهذا بكونه جروا .
إن عبقرية السقوط التي تتمثل في الإنسان الجرو ، لا تتضمن ما يكلف به فقط ، أو ما درب عليه . علينا ألا ننسى أن فيه جانبا بشريا له حثالياته السياقية الموروثة ، فالجرو فيه يعرف الإمتثال ولا يعرف النفاق ، ولكن البشري فيه يجمع بين الإثنين . فهو يؤدي ويجزل الأداء نفاقا لسيده وتحببا إليه ، كالساقطة التي تنافق زبائنها طمعا في زيادة الأجر . فأمريكا لم تطلب من الجرو أو مدربه اتهامها بأنها تعمل من أجل إنقاذ الشعب السوري ، أو من أجل تحريره من الأسد . فهذا سخف إعلامي مفرط لا ترضى به أمريكا البراغماتية . فهي لا تريد إقناع الشعب السوري بحبها له . تريد إقناعه بأن البديل عن تغيير نظامه هو الموت . هذا ما تفعله وتقوله . ولكن الجرو البشري اجتهد فيه المنافق ، فجعل من كلاب أمريكا المهيجة هم الشعب السوري ، وجعل من أمريكا بغيا فاضلة ، ترسل قواديها لإنقاذ الشعب السوري من نظام الأسد . أي جرو هذا وأي إنسان . لقد ظن أن أمريكا بحاجة إليه ليفكر لها ! وظن أن أمريكا بحاجة إلى سروال يغطي عورتها التي تخوف بها الشعب السوري ، فحاول أن يصبح سروالا . لم يفهم الجرو الفاشل أن أمريكا اقتنته ليكون عورة وليس سروالا . ولكن ما العمل كما يقول البعض ؟ الجحش جحش ولو بين الكلاب ربي .
كان المشهد الكلي للمقامة مثيرا . فيه عجب وإعجاب . كانوا ثلاثة : الجرو ، وسعدان من سعادين السرك ، ومفكر قوي الشخصية ، عميق النظرة ، رزينا هادئا ساخرا بأدب ، قد تختلف مع ما يقول ، ولكن لا فكاك لك من احترامه . ولكن ما الذي أتى به إلى هذا المشهد الذي لا يليق بشخص أقل منه بكثير ،( كما سيتساءل البعض ) ؟ إنه اكبر وأكثر شهرة من أن يجلس في مشهد للفكر الإستدعائي ، يديره جرو صيد ، ويحضره سعدان ؟ صحيح أنه استطاع بأسلوبه القاتل في الرد أن ينكل بالجرو والسعدان ويسخر بهما دون أن يفهما أو يحسا بما أنعم به عليهما ، ولكنهما يظلان جروا وسعدان ثوابهما وعقابهما عند المدرب وليس عند المفكر . أثناء السياق كان الجرو المدرب يلتقط السقطة لدى السعدان ويسرع إليه بها مهتاجا إلى المفكر ليرد عليها . ولكن لو كان لدى الجرو شيء من الفهم أو الإحساس بالمهانة لأوقف البرنامج بحجة الخلل الفني . ولكن المفكر لم يكن يكن يقدم ردودا عينية على تساؤلات الجرو ، كانت ردوده حالات من الرد الفكري الفائق الموضوعية والتهذيب والعمق ، على مسوخية الوضع العام الذي خلقته أمريكا ، فكان ظهور الإنسان الجرو في الحياة العامة للبشر واحدا من نتائجه . وكأنه يرد على بشاعة العصر بكاملها ، دون أن يلحظ وجود الجرو أو السعدان . وبذلك كان يزيحهما بحذائه بحركة غاية في اللطف ، هي في الحقيقة استنكاف مهذب من وجود نموذجهما على هذا الكوكب الجميل التعس .
لم أعد أستطيع الإهتمام بظاهرة الجراء البشرية على الساحة الهجرية كظاهرة سياسية . فأنا لا أومن بإمكان وجود السياسة على هذه الساحة المتعفنة وجوديا . وما يبدو فيها من كثرة الجراء هو ظاهرة لتفسخ النفس البشرية كما تتفسخ الأجساد عضويا . فالأخلاق والأعراف والقيم حينما تفقد دوافعها الفكرية والثقافية والإجتماعية ، تنحل من تلقاء نفسها استجابة لقوانين البنية . والهجرية عبث بنيوي قديم تم خارج الوعي ، واستمر بالوجود في غياب العقل العاقل ، بحيوية العبث وحده ، إلى أن تغير العالم عدة مرات من حوله ، فخرج من سياق الوجود المدرك إلى سياق الوجود البيولوجي المجاني الذي لا يمكن تحقيقه إلا بالفعل والإنفعال ، أو بالإمتثال التلقائي لغرائز حفظ الأنا والتحول نحو خصائص الوضاعة والإرتزاق المجرد كالجرو .
هذا الجرو ليس لديه شيء ضد سوريا شعبا ونظاما . إنه يعوي ويعض ويقفز بالأجرة . وكذلك السعدان . ألبشري في كليهما ، يعرف أن الشعب السوري يمثل ظاهرة وعي قومي متألق على الساحة الهجرية . وله تجربة نضالية عامة ، تعرف خلالها على ديموقراطية الإلتزام وليس على ديموقراطية الشذوذ الإجتماعي والفوضى التي تصدرها أمريكا إلى وكلائها ليعلموها لشعوبهم . وكلاهما ( الجرو والسعدان ) يعرف أن نظام الحكم في سوريا هو الوحيد الذي يحترم شعبه ، لأنه نشأ في بيئة إيديولوجية واحدة مع الجماهير، تعطي الأولوية للوطن القومي . ولم يكن لدى النظام ما يراهن عليه سوى التأييد الشعبي . ومهما كان رصيد هذا الوعي النظامي من الإلتزام ، فلا سبيل للمقارنة بينه وبين بقية الأنظمة العربية التي أسست سياديتها أصلا على الإلتزام بخيانة مصالح شعوبها وامتهان إنسنيتها . أي أن في كل دولة هجرية ، مملوكا صهيومريكيا يدير شؤونها بالوكالة ، ويضطهد وينهب شعبه لصالح الصهيومريكية العالمية . وإذا كان حكم البعث في سوريا تسلطيا ، فإنه على الأقل يربط بين مصير الشعب ومصير النظام ، ويمضيان معا على طريق وحدة المصير الوطني . وإذا كان الأسد طاغية فإنه على الأقل أيضا بعيد عن خيانة شعبه ، بينما تقوم السيادة النظامية في الدول الهجرية ـ تحديدا – على الإلتزام بخيانة الشعب والوطن . باختصار فإن المسخين ( الجرو والسعدان ) يعرفان يقينا أن حذاء الأسد له شرف من نوع ما ، وهو أنه لم يمش في طريق الخيانة ، فما هو نوع الشرف الذي يمكن للمسخين اتهام أي حاكم هجري به ؟ ولكن من تبرأ من إنسانيته ، أول ما يتخلى عنه هو شرفه . فكيف يمكن أن يحترم ظاهرة الشرف أو يدخلها في حسابه لدى الآخرين ؟ وهذا الكلام ليس موجها إلى أي جرو بشري من الهجريين ، إنه موجه إلى مساكين الوعي في المشاعة الهجرية ، الذين يعتاش الجرو والسعدان على حسابهم . هؤلاء نسألهم :
هل لدى حكام سوريا كحكام الخليج ، قهرمانات وقوادين في الحاشية ، مهمتهم غزو الجامعات في الدول العربية وغيرها لاجتذاب النماذج الجميلة والموهوبة من الطالبات إلى قطاع التسري في قصور الحكام ؟ ( كما يدعي البعض )
هل يقوم هؤلاء الحكام ، بعد الإنتهاء من أولئك الطالبات الجميلات والموهابات ، بتحويلهن إلى ملحقي السفارات الأمريكية ، لتحويلهن بدورهم ، إلى دورات التدريب الخاص ، للعمل في التجسس ، والإعلام ، وضيافة الطيران ، والخدمة في مؤسسات الأمم المتحدة ، واستغلال مواهبهن العقلية والجسدية في تنفيذ المهام الخاصة ؟ ( كما يقول من شاء ) .
وهل يفعل حكام سوريا البعثيين نفس الشيء ؟ ( كما لم يجرؤ أحد أن يقول ) .