مقاصد الشريعة وسؤال لماذا التجديد..
حمزة بلحاج صالح
في تجديد علم المقاصد والمكابح التي تفرمل حركة التجديد والتثوير والعقلنة والأنسنة والتحديث الأصيل
الحرية (الجماعية ..الحرية السياسية والفكرية والثقافية…الخ ) لا يجب أن تبقى من الحاجيات كما يرى ذلك البعض ومنهم الريسوني معللا بطلان اقتراح غيره بسوء فهم للمقاصد عامة وللضروريات والحاجيات بل يجب أن نرتقي بالكليات إلى ما هو أسمى وأفضل تغطية للوجود الإنساني ..
و قد تكون الحرية جامعة صفة الكلي والضروري بعد فحص منطقي وواقعي ومعرفي وديني…
لعل الريسوني كان يلمح إلى اخر كتاب جمال الدين عطية رحمه الله والذي لا نزعم أنه خطوة نهائية وبعيدة ومتقدمة وعميقة جدا في تجديد وتطوير علم المقاصد …
وأقول على سبيل الإشارة نحن نكتب على عجل ننشر ملحا ومختصرات وإشارات بين حين واخر لا علوما ومباحثا مفصلة وبدائلا مدققة …
جعل المقاصد وتخيلها خلاص الخلاصات ” أرثدوكسيا ” و” أقنومية ” و” يوطوبيا” و” أدلوجة ” وتجديدها بالتلفيق والتدوير والمحاذير كتركها على حالها…
ما دام الناس يشتغلون بنفس الالية ومنظومة التفكير والقراءة فلا أعتقد أن الوعي متقدم ليطرح منافذ ومعابر نحو التقدم …
المقاصد كالأصول تحتاج إلى ثورة عميقة عقلية ومعرفية في البناء والنسق والأسس والمرتكزات..
من فضل أن يدور حول نفسه كما فعل السابقون مع مسحة خفيفة وسطحية ” تجديدية ” فله ذلك وليعلم بأن هذا سواء كان على يد من يسمونها مدرسة مغربية وتونسية أو موريطانية أو جزائرية أو مغاربية أو مشارقية بالتبعية فإن ذلك لن يتجاوز التدوير والجهد الحلقي الذي يستنزف الوقت والجهد والمال ويلهينا عن أصل التحديات …
لأن أسئلتنا ليست جريئة والحذر ينخرنا والحيطة والعقل الذي يشتغل مسقف يستلبه قانون وأصل سد الذرائع …
لن نفعل سوى التزيين والتنميق والتلفيق ونوهم أنفسنا بأننا ” نتعلم ديننا ” و” نكافح السلفيات ” و” التشيع” والطائفيات ونحن في رحم وحل الطائفية نغرق …
عدم الوعي مزيدا بعمق أزمتنا سيجعلنا نعيد إنتاج أنفسنا بأنفسا…
مثلما المصطلحات والمفايهم فيها مشاحة فإن استيعابها ومنحها محمولات تناسب الفضاء المحقق والمجدد والممارس عليه نقدا يجعل لا مشاحة فيها مثل ” التنوير” و” الأنسنة ” و” العقلنة ” و” الحداثة ” و” التحديث ” …الخ
لا يوجد مفهوم هو ملكية خاصة بل هو في ترحال مستمر يحمل الدلالات التي تعلق بالفضاء المعرفي الذي يوظفه فيه صاحبه طالما أن نحته عملية لغوية بالأساس ولذلك لن يستطيع أركون أن يزعم تملكه لمفهوم الأنسنة إلا في حدود نسقه المعرفي ومن ثمة ظهرت تيارات عابرة للأنسنة تشتغل بموضوعات الإنسان-الروبوت غير الكامل وقضايا إطالة العمر ومسألة الحياة والموت والبيوإيطيقا وهي تتناسل نحتا عن الأنسنة …
أضاف الطاهر بن عاشور مقصد الحرية لكنه على اجتهاده بات المفهوم بحمولته ” الطاهرية ” أو ” العااشورية ” مستهلكا ومتجاوزا ضف إلى أن الشيخ الطاهر بن عاشور رغم أنه يمثل وثبة في زمانه فقد كان أيضا دون الوثبة اللازمة بكثير…
المسافات التي تفصلنا عن المنجز الإنساني بما له وما عليه وعن اللحظة هي مسافات كبيرة ورهيبة لا يمكن لمثقفين و” باحثين ” تقليديين وتراثيين من نمط من يشتغلون على المقاصد والأصول والتراث اليوم يحذوهم والتوجس من المنجز الإنساني والغربي كله ويرافقهم في أطوار ” بحثهم” و” كتاباتهم ” مع اطلاعم غير الدقيق والسطحي والحذر بحجة مزيفة ومحرفة تحت عنوان صون دين الله وحفظه من التحريف هيهات أن يعول عليهم للتقليص من هذه المسافات والكثير منها مصطنع مزيف …..
من هذه المسافات الرهيبة الشاسعة بيننا وبين المنجز الإنساني ما هو مفتعل ومصطنع وناتج عن فساد فهم الدين وحالة الإنكفاء والإنغلاق والحذر التي تبقي أهله ونخبه يتراوحون أماكنهم…
و هنالك ما هو مصطنع من الغرب خلاصة توجه لوبيات تتحكم في الغرب الرسمي وبعضها تاريخية مليئة بالأحقاد وأخرى لا هم لها إلا ترويض الاخر وتهجينه وجعله أداة طيعة تساهم في ترك ثرواتنا تنهب وتسلب … …
وهنالك هوة ومسافة فعلية حقيقية وهي قليلة جدا لو فحصنا الأمر علميا ومعرفيا ودينيا من غير قبليات فاسدة غربية وإسلامية شرقية لوجدناها تعود إلى بنية الغرب وثقافته المركزية العدوانية الإستلابية الإغترابية الصراعية العدمية nihiliste المادية …من جهة وثقافتنا الأرثدوكسية المنغلقة اللاغية للاخر التكفيرية التفسيقية التجريمية والتخوينية في ما بينها (شيعة وسنة وزيدية وأشعرية وسنية وجماعتية ومذهبية وطائفية وتراثية وأصولية ومقاصدية ..و غيرها من الطائفيات والعصبيات والنزعات الجماعاتية..) فما بالك مع غيرها ….
وهنالك ما يعود للخصوصيات التي لا ينبغي للكونية والعالمية أن تمحوها وإلا تحولت إلى هيمنة إستعمارية ولون من التطرف والإرهاب والعصبيات تحول دون تلاقي الإنسانية وتعايشها بعضها مع بعض …
أقول بأن الحياة لا تقوم بدون حرية خلافا لما يراه الريسوني حيث يعتبر الحرية ليست لازمة وجودية للعيش والإجتماع بمنزلة الضروريات بل تتضمنها الحاجيات ..
ينبغي أن نستدعي هنا مثلا علم النفس الحديث في تطوره وتحولاته واندماجه بالأدب والفلسفة ومساره بما له وما عليه نقدا واستيعابا ونفيا وتجاوزا وتوظيفا متبصرا …
ونستدعي النقد الثقافي ونظرية القيم والسوسيولوجيا والفلسفة وعلوم التربية والنظام التعليمي كما تشتغل عليه كل من هيئة اليونسكو وهيئات برلمان الإتحاد الاوروبي وغيرهما وما يسمى بالقاعدة المشتركة للمعارف في قطاع التعليم وننظر فيها فحصا وتقييما ونقدا وفي كيفيات تسويقها وقبل ذلك تصميمها وفي الفروقات الحاصلة والتمييز العنصري والرؤى الإثنية المتعالية التي لا زالت تنخر كيان العالم وتدير مؤسساته وقراراته…
نستدعي أيضا خبراء التربية في العالم لنتباحث نظرية مكافحة التنميط والتحيز الجنسي lute contre les stéréotypes والتفاوت أو الفروقات الإجتماعية les inégalités sociales ونظرية الهيمنة الذكورية la domination masculine وتعريف الأسرة الجديد بعد اباحة وشرعنة الزواج المثلي والحرية ومفهوم الحرية الجنسية …
نحن غائبون عما يحدث عالميا وفهومنا جد سطحية تكتفي بالتجريم ووصف ذلك بالإستعمار ونزعم بناء وتحيين معارفنا وعلومنا …
لا بد من ثورة عميقة هادئة في العقل والمعرفة والمدرسة والجامعة مرحلية وتدريجية لكن تنطلق محددة الأهداف وليس تلفيقا وتنميقا وتسويفا وتسطيحا أو استلابا للماضي والتراث أو اغترابا للاخر واتباعا ببغاويا ….
فاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء بما فيه ينضح…
على التقليديين المشتغلين بإصلاح الأصول والمقاصد و” تجديدها ” أن ينظروا في تعريف ” الحاجي ” هل هو “غريزي” أم لا وما الفرق بينه وبين الضروري من حيث الصفة الغريزية التي تحفظ الوجود الإنساني وتهذبه وتراجعه وتعيد عيفه أو تتجاوزه بطرح بدائل جديدة فهو ليس وحيا من عند الله وتراجع ما مدلول النوع في ثقافتنا القديمة والتي يزعم أنها حينت ومقارنته بنظرية النوع أو ” الجندر “gendre…
يا ناس نحن لا نتحرك وحدنا في هذا العالم والعالمية الإسلامية الأولى تحققت في ظروف تختلف تماما عن هذه فالضعيف لا يتشرف بحمل رسالة مشوهة ومزيفة ومنقوصةو باهتة ولا إنسانية…
ولا أحسب مثلا أن الغريزي المادي يحمل معنى الحرية عند الإجتماع وهل الحاجيات عقد اجتماعي يشبه عقد “روسو” وما قول الإسلام مفهوما فهما سليما في هذه المسألة وفي عقد روسو بعد إعادة قراءة… .
وأرى الحرية من ضروريات العيش المعنوي الإنساني الرفيع بل مقصد استراتيجي تتحدد أهميتها تماما كما تتحدد الضرورة التي ييتم بها العيش المادي مرتبطة بغيرها من الضروريات مثل حفظ النفس الذي له كما أقدر في تراثنا حمولة تتعلق أكثر بالفيزيقي وبالجسد والعقل في مظاهر جد أولية من حيث التلف والفقدان الخ…
فلا تندرج الحرية تحت عنوان أي من الضروريات المعروفة والتي يريد البعض غلق مبحث المقاصد عليها كسياج غير قابل للفتح أو إلحاقها ببناء يستحق المراجعة والنقد والثورة ولم يعد ملزما لنا…
علينا أن نميز هنا بين الأمر الواقع حيث تعيش مجتمعات وشعوب وجماعات وأقليات عرقية ودينية ولسانية وثقافية …الخ تحت القهر والإستبداد من غير حرية وبين ما يجب أن يكون نموذجا وغاية وتطلعا إنسانيا ودينيا سبقت إلى تقنينه المواثيق الدولية والقانون ” المعولم ” أو ما بقي منه في طريق العولمة بعنوان عولمة الحقوق سواء شئنا أم أبينا….
قد أتناول في يوم ما موضوع ” الإحسان ” مثلا كما أتناول موضوع ” الإنسان ” والقضايا المركزية التي تتأسس عليها ” الرؤية الإسلامية-الإنسانية ” فبدون تعميق النظر فيها وطرحها وجعلها إطارا لكل جهد فقهي تجديدي سنتخبط في وحل بركة التلفيق والعشوائية والإنتظام والتقليد …
فلا تجديد عندئذ ولا هم يحزنون…
hamzasalhi993@yahoo.fr
2018-08-29