معن بشور.. الثبات حين يتفكك المشروع العربى(ج1)!
إلهامى المليجى*
ليست المأساة أن تنهزم أمة.
المأساة أن تفقد بوصلتها، وأن يتبدل رجالها كلما تبدّل الميزان.
فى سبعينيات القرن الماضى، لم تكن بيروت مدينةً فقط… كانت ساحة اختبار لضمير أمة. هناك، تحت سماءٍ تمزج بين القصف والبيانات، وبين الدم والبيان السياسى، كانت الأفكار تُختبر قبل الرجال، وتسقط الشعارات التى لا تحتمل النار، ويبقى ما هو أعمق من الخطابة.
وسط ذلك المشهد، كان معن بشور حاضرًا لا كشخصية عابرة فى زمنٍ مضطرب، بل كأحد الذين اختاروا أن يقفوا فى قلب العاصفة، لا على هامشها.
لم يكن رئيس حزبٍ تقليدى، ولا زعيم تنظيمٍ مغلق تحرسه الشعارات. كان منسقًا عامًا لـ«تجمع اللجان والروابط الشعبية»؛ صيغة قد تبدو متواضعة فى ظاهرها، لكنها كانت تعبيرًا عن قناعة فكرية وتنظيمية واضحة: أن السياسة الحقيقية لا تُدار من الأبراج، بل تُبنى من القاعدة، وأن العروبة إن لم تنبع من الناس تتحول إلى لافتة فوق مبنى فارغ.
كانت الخرائط العربية آنذاك تُعاد صياغتها تحت ضغط الهزيمة، وكانت الطائفية تُغرس كخنجرٍ فى خاصرة لبنان، وكانت فلسطين تُختزل فى معادلات إقليمية باردة. فى ذلك المناخ، بدا معن بشور منحازًا إلى خط لا لبس فيه: لا مساومة على وحدة الجغرافيا العربية، لا تفريط فى مركزية فلسطين، ولا قبول بإخراج مصر من معادلة التوازن.
لم يكن حديثه عن مصر حنينًا إلى زمن مضى، ولا مجاملة سياسية عابرة. كان قراءة فى بنية القوة العربية نفسها. كان يرى أن أى مشروع وحدوى، لا يستند إلى القاهرة يبقى مشروعًا معلقًا فى الهواء، وأن تغييب مصر أو تحييدها ليس خطأً تكتيكيًا، بل ثغرة إستراتيجية يدخل منها التفكك ليصبح نظامًا دائمًا.
فى تسعينيات القرن الماضى، بعد حرب الخليج الأولى، ومع صعود خطاب «الواقعية الجديدة» الذى دعا إلى التكيف مع ميزان قوى مختل، كان من المؤسسين الفاعلين للمؤتمر القومى العربي. لم يكن المؤتمر بالنسبة إليه ناديًا فكريًا أو إطارًا بروتوكوليًا، بل محاولة لإعادة تجميع ما تبقى من الإرادة العربية خارج وصاية الأنظمة وتقلبات اللحظة.
ومع مطلع الألفية الثانية، حين تولّى أمانته العامة، لم يتحول إلى إدارى يدير مؤسسة، بل ظل صوتًا يذكّر بأن التفكك ليس قدرًا، وأن الاستسلام لميزان قوى مختل ليس حكمة سياسية، بل اعتراف ضمنى بالهزيمة.
أكتب عنه اليوم لا بوصفه مسئولا سابقًا، ولا فاعلًا فى إطار تنظيمى فحسب، بل بوصفه رجل مسار. رجلًا لم يتقدم فى المناصب بقدر ما تعمّق فى الفكرة، ولم يبدّل موقعه حين تبدّلت الموازين، بل بقى يقيس السياسة بميزان الكرامة لا بميزان الربح.
المشهد الأول: مكتب بيروت… ذاكرة الحصار وسؤال مصر
لم يجمعنى به لقاء فردى فى سبعينيات بيروت.
كنا جزءًا من مشهد عام؛ مدينة تُقصف وتقاوم فى آن، وصيف 1982 كان اختبارًا لا يُمحى من الذاكرة. كنت أعمل فى الصحافة الفلسطينية، ضمن صفوف الحركة الوطنية المصرية، أتعلم من بيروت معنى أن تكون العروبة خيارًا مكلفًا لا شعارًا مجانيًا. وكان هو أحد أبرز وجوه العمل السياسى فى لبنان، حاضرًا بقوة فى زمن العدوان والحصار.
ثم مضت السنوات، كما تمضى السنوات فى عالمٍ عربى يتبدل بسرعة، بينما تبقى بعض الأسئلة معلقة.
التقيته للمرة الأولى وجهًا لوجه فى أواخر التسعينيات، فى مكتبه ببيروت، وكان يومها أمينًا عامًا مساعدًا للمؤتمر القومى العربي. دخلت اللقاء بذاكرة جيلٍ تشكل فى زمن النار، وخرجت منه بإحساس مختلف: الرجل الذى عرفته فى المشهد العام زمن الحصار لم يفقد وهج الفكرة، ولم تتبدل بوصلته.
استقبلنى وكأنه يعرفنى منذ زمن السبعينيات، برغم أننى كنت يومها مجرد مناضل وصحفى شاب، بينما كان هو أحد نجوم العمل القومى فى لبنان. لم يكن فى استقباله أثر تعالٍ أو مسافة. كان الإصغاء حقيقيًا، والأسئلة دقيقة، والاهتمام صادقًا.
لفتنى أمران لم يتغيرا فيه رغم تبدل الأزمنة:
أولًا، أن حماسة للحلم العربى لم يخفت برغم كل ما جرى من هزائم، من انقسامات، من حروب داخلية أكلت أطراف الجسد العربي.
وثانيًا، أن دفاعه عن المقاومة – فى لبنان وفلسطين، ثم فى العراق – ظل موقفًا مبدئيًا لا يتبدل مع تبدل المزاج العام.
كان صريحًا فى رفضه العدوان الأمريكى على العراق واعتقال صدام حسين، فى لحظةٍ كان كثيرون يختبئون خلف لغةٍ رمادية، أو يبررون ما جرى باسم «التحول الدولي» و»الواقعية السياسية». لم يكن موقفه دفاعًا عن نظام بقدر ما كان رفضًا لمعادلة تعيد تشكيل المنطقة تحت حراب الخارج، وتحوّل الجغرافيا العربية إلى ساحات مفتوحة للتجريب.
لكن ما بقى عالقًا فى ذهنى أكثر من أى موقف سياسى، هو سؤاله المتكرر عن مصر.
كان يسأل بتفصيل، لا بدافع الفضول، بل بدافع القلق الإستراتيجي. يسأل عن النخب، عن المزاج العام، عن موقع القاهرة فى معادلة الإقليم. وكان يؤكد أن حال الأمة الذى تراجع بعد خروج مصر بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، لن يستعيد توازنه إلا بعودتها إلى قلب المعادلة العربية.
لم يكن يرى فى مصر دولة كبيرة فحسب، بل قاعدة توازن. غيابها خلل بنيوى، وعودتها ليست خيارًا سياسيًا بين خيارات، بل شرط لإعادة صياغة المشهد العربى كله.
استعدنا فى ذلك اللقاء تفاصيل حصار 1982، وتوقفنا عند أسماء، كانت يومًا نجومًا فى المشهد اللبنانى ثم غابت. سألته عن محسن إبراهيم، وعن سمير صباغ. وعدنى بلقاءات، واتصل فى اليوم التالى ليخبرنى بعشاء وطنى سيحضره محسن إبراهيم. لكن السفر كان قد حُسم، والعودة إلى القاهرة باتت وشيكة. تأجل اللقاء… ثم غاب صاحبه عن الدنيا بعد أشهر قليلة، وبقى الوعد شاهدًا على زمنٍ كان يطوى رجاله تباعًا.
بعد سنوات، وفى بوعد آخر، ورتب لى لقاءً مع الدكتور سمير صباغ، أحد وجوه حركة المرابطين الناصرية التى كان يرأسها إبراهيم قليلات. كان ذلك اللقاء استكمالًا لخيط قديم يصل بين القاهرة وبيروت؛ بين مسجد جمال عبد الناصر فى بيروت، وذاكرة جيلٍ لم يرَ فى العروبة شعارًا يُرفع فى المناسبات، بل مسئولية يومية تُدفع أثمانها.
خرجت من مكتبه يومها وأنا أكثر يقينًا، بأن بعض الرجال لا يتقدمون فى العمر بقدر ما يتجذرون فى الفكرة. الزمن يغيّر المواقع، لكنه لا يغيّر جوهرهم.
المسار مستمر.. والحديث لم يكتمل بعد
معن بشور ليس مجرد اسم فى سجل العمل القومى، ولا محطة فى تاريخ المؤتمر القومى العربي. هو نموذج لرجلٍ ظلّ يقيس السياسة بميزان الكرامة، ويرى فى المقاومة ضرورة أخلاقية قبل أن تكون خيارًا عسكريًا, وفى مصر حجر الزاوية لأى توازن عربى حقيقي.
غير أن الثبات لا يُفهم من مشهد واحد، ولا من لقاء عابر فى مكتب بيروت.
فكيف تشكلت رؤيته وسط تناقضات الساحة اللبنانية؟
وكيف قرأ انتقال النظام العربى من زمن المشروع الجامع إلى زمن المحاور المتصارعة؟
وكيف ظلّ يدافع عن الفكرة ذاتها فى وجه موجات التفكك والتطبيع، من دون أن يتحول إلى حنينٍ سياسى أو خطابٍ خارج الزمن؟
ذلك ما نقترب منه فى الجزئين الثانى والثالث…
حيث لا نكتفى باستعادة الذاكرة، بل نختبر الفكرة نفسها:
هل كان الثبات فضيلة فردية فقط، أم كان محاولة مبكرة لإنقاذ مشروعٍ لم يمت بعد؟
الخاتمة
حيث لا نكتفى باستعادة الذاكرة، بل نختبر الفكرة نفسها:
هل كان الثبات فضيلة فردية فقط، أم كان محاولة مبكرة لإنقاذ مشروعٍ لم يمت ب
الاهرام العربي
يتبع
2026-03-13