معركة ماهر الأخرس بإضرابه المفتوح في يومها التسعين!
وليد الهودلي.
معركة الاضراب المفتوح عن الطعام وسبر أغوارها والاحاطة بكل أبعادها تحتاج لمن خاض التجربة أن يكتب عنها، لا أدعي ذلك إلا أني خضت ثلث تجربة مقارنة بتجربة ماهر الاخرس، فهل يجيز لي إضراب ثلاثين يوما أن أتجرأ وأكتب عن تجربة التسعين يوما؟
أستذكر تجربة النمر في قصة زكريا محمد مع المروّض الذي يجيد تحويل النمور من أكل اللحوم إلى آكل العشب، ومع كل أسبوع خطوة تبدأ بأن يوافق النمر على يوم في الأسبوع ليأكل فيه الأعشاب ثم تنتهي نهاية خطواته الشريرة بأن يكون آكل عشب بامتياز ومن ثم ينهق نهيق الحمار، هم بهذا الأسلوب يستهدفون النخبة النشطة سياسيا لدفعها للانتحار السياسي أو تجميد دماء التغيير في عروقها وتحويلها الى مجرّد كمّ رقمي لا “يهشّ ولا ينشّ” وليس له قيد أنملة في الشأن العام لشعبة ووطنه.
والاحتلال لا يدرك أن هذه التجربة تفشل فشلا ذريعا على المعتقل الفلسطيني خاصة هؤلاء الذين يرفعون لواء كرامتهم وحريتهم من خلال أمعائهم ويقرّرون خوض معركة ضروس وعدم الاستجابة مطلقا للخطوة الأولى بالقبول بمبدأ اللعبة التي تسمّى الاعتقال الإداري، بل هم يقرّرون قلب السحر على الساحر وترويض هذا المحتل على الانصياع لإرادتهم الحرّة وقفل هذه اللعبة السادية بالطريقة التي يريدونها، من خلال حشره في الزاوية وتعريته من كلّ ادعاءاته الباطلة عن القيم الإنسانية التي لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد. على الاحتلال أن يعلو نهيقه وعلى الفلسطيني أن يعلو بصوت الحريّة والسيادة الوطنية التي لا تروق لهذا التوحش الاحتلالي البغيض.
من لحظة اتخاذ قرار الاضراب الى لحظة القرار بوقف الاضراب مسافة طويلة وساحة معركة مريعة تتخذ من كلّ ثانية أن تسجّل فيها انتصارا أو هزيمة، سترابط على ثغور الزمن الذي لا يبدو أنه يتزحزح من مكانه، ستجالد سيوفهم بكلّ صلابة وثبات في ميدان نفسيّتك، على هذه النفسيّة أن تتكسّر عليها نصال سيوفهم، أنت لا تملك سيفا ولا تقوى على رفع يدك، فقط تملك إرادة وعزيمة تستمد وقودها من إيمان وقر في صدرك وقرار شحذ همّتك للمواجهة ودخول المعركة.
ولا بدّ من الإشارة بين الفرق الهائل بين طرفي المعركة من حيث القوة والاستعدادات: فسلطات الاحتلال تملك مكان المعركة بكل تفاصيله، أدوات المعركة مفتوحة بن يديها من أدوات قمع مباشر أو غير مباشر حيث تسخّر الاعلام وتفتح له أو تغلق حسب رغبتها في توجيه الاشتباك الى حيث النهاية التي يريدونها، وتملك الإجراءات القانونية والقضاء الشكلي الذي يستجيب الى دهاقنة مخابراتهم وتملك البوسطة والعزل، بينما المعتقل المضرب ليس له من هذه الأدوات المادّية أيّ شيء، ليس له إلا وقفة شعبه معه.
لا بد من الوقوف على دوافع هذه المعركة غير المتكافئة إلى أبعد الحدود، فالسبب الرئيسي الذي دفع المعتقل ماهر ومن قبله إضرابات كثيرة جماعية وفردية لذات السبب، هو الاعتقال الإداري سيء الصيت والسمعة، أن تصادر حريّتك وتزج في السجن دون أن تعرف تهمتك أو أن يكون لك ملفّ ثم لا تدري كم ستمكث في السجن سنة أو سنتين أو خمسة؟ تدخل زنزانة لتركز ربابتك وتنتظر التجديد تلو التجديد إلى أن يتغيّر مزاج من حبسك ويقرّر الافراج عنك. وهنا لا بدّ من التنويه أن هذا النوع من الاعتقال يجري فيه تعذيب أهل المعتقل أيضا من خلال هذه الحرب النفسية المفتوحة فهي تطال الزوجة والام والولد وهم يترقبون نهاية كل مدة تجديد لتصفعهم مدّة ثانية في اللحظات الأخيرة، إنها قوة رادعة تدفع الاهل ليمارسوا الضغط الذي يريده المحتل كي لا تتكرّر التجربة المرة مرّة ثانية.
ليس سهلا على المعتقل اعتقالا إداريا اتخاذ القرار بفتح الاضراب المفتوح عن الطعام إذ أنه يدرك تبعات ذلك ولكنه في نفس الوقت أمام خيارين صعبين للغاية، أن يتجرّع مرارة الاعتقال الإداري ويدفن نفسه في بطن الحوت وأن يتحمّل عصاراته النتنة أو يضع نفسه طيّعة لينة بين يدي ماكينة الترويض التي نجحت في ترويض كثيرين قبله وفشلت مع كثيرين. أم يدخل المعركة ويواجه بجبروت ارادته التي يعتقد جازما انها لن تنكسر لهم أبدا، القرار في غاية الصعوبة ويحتاج لدراسة الوضع الخارجي ومدى حركة الشارع الفلسطيني معه والاحداث السياسية المحيطة هل هناك ما سيحجب الرؤية الإعلامية عن اضرابه أم أن الامر مناسب؟
ثم تبدأ المعركة بأوّل اربعة أيام مشحونة بصداع قاس وإهمال متعمّد من قبلهم، طبعا يُجرّدونه من كل وسائل الاخبار، لا راديو ولا تلفاز، ويعزلونه في زنزانة انفرادية، هناك بيئة مختلفة إذ تختلط فيها زنازين عتاولة الاجرام بزنازين معتقلين سياسيين، وكلّ له نمط حياة مختلف، ينقلب ليلهم نهار ونهارهم ليل، وتستمع الى كل ما يسوء الاذن والقلب من مسبّات وصراخ أولئك الجنائيين الذين جاءوا من خلفية المخدرات وجرائم القتل والاجرام، ثم تأتي مرحلة الدوران وفقدان التوازن وزوغان المعدة وألم المفاصل وتهاوي الجسد وضعف القدرة على الحركة وبدء نقصان الوزن بشكل ملحوظ وسريع، عندها تتوقّف عقارب الساعة ويطير النوم من العيون وتدخل مرحلة الهواجس والخوف على تدهور صحّي مفاجئ، وعندها يحضرون ميزانهم وقياس الضغط لتفاجأ بأحوالك الجديدة، يطلّون عليك بجمل مقتضبة مدروسة ليوهنوا عزائمك ولتدرك بان مشوارك طويل طويل ولن يستجيب لمطالبك أحد.
عندما تتجاوز العشرة أيام الأولى يغادر الصداع ويحل مكانه الهزال وقد تدخل على الخط محاولات الاختراق عبر مفاوضات سوداء لا تأتي بخير، هنا المضرب يحارب على عدة جبهات:
• جبهة الأمعاء الخاوية والعروق الناضبة والاعصاب المنهكة، هي متطلبات الجسد العضوية تضرب مخالبها في روحه وتطالب بعنف شديد باستحقاقاتها الطبيعية ومطلوب منه أن يصدّها ويتحايل عليها ويوهن من آثارها في روحه ونفسيته.
• جبهة الحرب النفسية التي يشنّها السجان عليه وهو صاحب خبرة في هذا الميدان وفي العشرة الثانية للإضراب تكون مرحلة استكشاف لمدى قوة وتحمّل هذا المضرب عن الطعام، ويجري التعتيم الإعلامي عليه ويمنع أيّ تسريب منه للخارج بمنع المحامين من زيارته واحاطة زنزانته بحراسة مطبقة تمنع أيّ تسريب، ويبدئون هم بتسريب أخبار كاذبة اليه ولا حدود هنا لانعدام أخلاقهم، قد يستخدمون على سبيل المثال الجهاز الطبي من ممرضين وأطباء لعكس وضعه الصحيّ واظهاره بانه في غاية الخطورة وأن الاضراب يشكّل خطرا كبيرا على حياته، وكذلك يوصلونه الى تصور بأن الوضع في الخارج لا يبالي به أحد وأنه ليس معه نصير أو متضامن أو حركة شارع أو إعلام وكذلك في السجون لا يؤيدون اضرابه وأنهم ضد الإضرابات الفردية…الخ
• جبهة الشارع الفلسطيني وحركته ومدى تفاعل الناس معه وكيف يجعل من ذلك ضغطا على الاحتلال بدرجة كافية لتدفعه للتفاوض والاستجابة لمطلبه وهنا لا بد من التنويه أن الاحتلال لا يستجيب الا إذا رفع المستوى الأمني تقريرا للمستوى السياسي يوحي بأن الامر قد أصبح يشكّل خطرا على أمنهم.
• الحركة الإعلامية مع الاضراب وهذه تبع لحركة الشارع وضغطه.
في العشرين الثالثة للاضراب تتضاعف أعراض الاضراب من هزال ودوران وشعور دائم بالارهاق الشديد وتصبح الحركة صعبة وخطرة ويصبح النوم نادرا، وهنا لا بدّ من التنويه ان القفز في توصيف حالة المضرب كل عشرة أيام فيه تجني شديد عليه، إذ أن كل يوم يعتبر حقبة كبيرة من الزمن البطيء ورهافة الحسّ التي تجعل من اليوم كسنة من العذاب.
ثم ندخل مرحلة النقل الى المستشفى الذي تربط فيه قدمه ويده في سرير محاط بحراسات عسكرية مشدّدة، يتحوّل المكان الى ثكنة عسكرية وتستمر فيه لعبة التقارير الصحيّة الكاذبة ومناورات تفاوضية تستهدف اضعاف روحه المعنوية والكشف عن ثغرات، وتشترك المحاكم العسكرية أيضا مع الفريق المحارب المعادي، يأتونه بالتجديد وهو في أشدّ حالات معاناته. وقد تدخل المحكمة وإن كان مسمّاها “عليا” لعبة المخابرات في الاعتقال الإداري. فتصدر قرارات غير واضحة لخداع الأسير المضرب فينهي اضرابه على نتيجة صفرية لا ينال من اضرابه الى آلامه وجوعه.
في العشرة الرابعة يتوقّف القلم ويجفّ حبره حيث يصل المضرب الى حافّة الموت ويصبح وقد تنازعت نفسه يد الموت ويد الحياة لا يعرف أيهما أقرب اليه وإلى حبل وريده، ينزل النبض والضغط وكلّ ما فيه من شذرات الحياة المتبقية بين جنبيه، كل يوم جديد يضاف الى رصيد اضرابه ما هو الا نقلة نوعية للحضارة الإنسانية وبعث عال للروح البشرية الخالدة وكشف لتلك الروح الخبيثة التي تسري في جسد هذه الدولة النكدة التي تتوحّش وتمعن في اجرامها وساديتها المقيتة.
ماهر الاخرس يواصل ذات الطريق التي خطّها أسرى هذا الكيان ويضيف ملحمة جديدة الى ملاحم البطولة والفداء، إضرابات كثيرة خاضها جموع الاسرى وإضرابات خاضها أسرى بمفردهم، واجه أحدهم بلحمه ودمه، أعزلا من كل سلاح دولة مدججة بكل أنواع السلاح، المعتقلة عطاف عليان خاضت اضرابا وحدها أربعين يوما وضعت فيه حدا للاعتقال الإداري للنساء سنة 1997، خضر عدنان بإضراب غير مسبوق وصل الى 66 يوما حدّد فيه موعد افراجه ثم توالت الإضرابات بين المعتقلين والمعتقلات الى أن وصل ماهر الاخرس ليبلغ التسعين يوما .. القلم يتوقف ولا يستطيع اللحاق بهذه الأيام القاسية التي تحتاج الى ذاك النبض المنخفض عضويا والمرتفع جدا روحيا ليكتب عنها بكل صدق وجدارة.
لا بدّ لحركة الشارع أن تستجيب لهذا القلب الذي يحيي أمة ويبعث أملا ويسطّر صفحات في سفر البطولة والخلود، لا بدّ أن تنتفض وتتحرّك حركتها قبل فوات الأوان وضياع هذا الامل المتبقي فينا.
2020-10-28