مظاهرات العراق ولبنان … الفوارق بين الحالتين!
ابو زيزوم الغري .
أهم الفوارق ان حليف ايران او ذراعها العسكري في لبنان حركة على درجة عالية من الانضباط والكفاءة . وهو كجهاز تنظيمي بعيد كل البعد عن الإشكالات التي يعاني منها الناس ويتظاهرون ضدها . والذين يعادونه إنما يفعلون ذلك لأسباب طائفية او بسبب معاداته لإسرائيل . لذلك حافظ على جمهوره واحتفظ بقدرته على التأثير الحاسم .
في العراق يشكل حلفاء ايران او أذرعها العسكرية حالة فوضوية . عشرات الفصائل ترفع أعلاماً وتحمل سلاحا وتتصرف كما تشاء . لا يخضع أحدها للآخر ولا يستطيع الجيش او الشرطة ايقافها . والذي يحدد سلوكها هو الموقف الاخلاقي لكل فرد او مجموعة فيها . فقد رأينا ايّام التحرير مقاتلين يستحرمون ذبح دجاجة من القرى التي يتواجدون فيها علما ان القرى خالية من السكان وكل شيء فيها مباح لأنه بحكم التالف . ورأينا مجاميع تنهب ممتلكات الناس كأي عصابة . وبعد التحرير بسنوات ما زال هناك أشخاص يدّعون الانتساب لهذا الفصيل او ذاك يخوضون في حقل الاقتصاد ويدخلون في كثير من النشاطات لا بصفتهم اشخاصا عاديين لهم الحق في المنافسة والربح وانما بالصفة الفصائلية التي تجعل منافسيهم ينسحبون من المزايدة او المناقصة او البيع والشراء .
تستطيع ايران القول انها غير مسؤولة عن تلك الشؤون الداخلية للعراقيين . ففي الاعلام يمكن قول ذلك اما في السياسة فإن السلوك العام للحليف يُحسب عليها . خصوصاً وأن بعض الفصائل تقول علناً انها تابعة لإيران وتأتمر بأمرها . ولا ادري ان كان في محافظات الجنوب شيء من هذه الممارسات ، غير ان هجمة المتظاهرين على مقرات الأحزاب جعلتني اعتقد ان تلك الممارسات الخاطئة موجودة في كل مكان .
الفساد في لبنان طبيعي ، وأقصد بالطبيعي انه لا يختلف عن مثيلاته في الدول الاخرى . فالساسة يستغلون مناصبهم لتحقيق أرباح غير شرعية ، وهناك بناء وتطور وحياة تسير الى أمام . اما في العراق فإن الفساد حالة استثنائية لا مثيل لها في العالم ، باتت جزءاً أصيلا من تقاليد العملية السياسية . فالتفاوض على السرقات لا يجري في الخفاء كما هو دأب اللصوص بل تتفاوض الكتل علناً ودون حرج . وعلى سبيل المثال لا الحصر تم الكشف قبل ايّام عن قاعدة جوية وهمية أنفق عليها ثلاثة مليارات دولار دون ان يكون لها وجود على الارض . فالنهب متفق عليه من قبل الجميع وبأعلى وتائر ممكنة . والخلافات والاتهامات تحصل فقط على الحصص .
سأكتب لاحقاً عن تفسيري لهذه الظاهرة الرهيبة من الفساد . وأقول الان ان معظم هؤلاء السياسيين حلفاء لإيران بشكل او آخر . فحتى اللصوص السنة الذين كانوا يناصبون ايران العداء انخرطوا بعد الانتخابات الاخيرة في محورها وتوصلوا معها الى تفاهمات وأصبحوا من المقربين . لذا لا تستطيع ايران اتخاذ موقف ناقد لهذه الحالة ولو إعلاميا . بينما تستطيع الولايات المتحدة ذلك وأكثر فقد فرضت عقوبات على سياسيين عراقيين بتهمة الفساد ، وهم عموما من الذين غادروا الخندق الامريكي الى الخندق الإيراني .
بالمقابل لا تملك ايران مثل هذا التأثير على الطبقة السياسية في لبنان . فالخارطة الطائفية هناك محددة ، وزعماء كل طائفة لهم تحالفاتهم وارتباطاتهم التاريخية بهذه الدولة او تلك . فلإيران هناك فصيل المقاومة الذي هو جزء من طائفة لا اكثر ، لكن نجاح تجربته منح ايران نفوذا واسعا .
في لبنان الحدود الطائفية ثابتة ، والحجم السياسي لكل طائفة مستقر منذ الأربعينيات ومنصوص عليه في الدستور . وقيادات الطوائف عائلات شبه إقطاعية تتوارث المناصب وتستمر لعقود . فالتحرر من الطائفية السياسية غير وارد وغير مطروح . والمظاهرات مطلبية بالدرجة الأساس ، ويحاول السياسيون جرّها الى أجنداتهم وهذا غير ممكن . فالشعب اللبناني لا يُجمع على قضية سياسية . وبمجرد ان تنحرف المظاهرات صوب السياسة يعود المواطنون الى بيوتهم . لكن بين السياسيين من يسعى لتفجير الوضع خدمةً لمشروع خارجي ، ولا اظنه سيفلح .
الطائفية في العراق وبالشكل الذي رأيناه بعد الاحتلال حالة طارئة ، حققت هدفاً مرحليا للإحتلال لكن الاحتلال فشل في تضمينها بالدستور . وذاك خطأهم القاتل الذي حاولوا تداركه بالممارسة على الارض فأشعلوا جذوة الاحتراب وعطلوا بها المسيرة الوطنية اكثر من عشر سنين . وها هي المسيرة تتحرك من جديد معبرةً عن إرهاص على قدر كبير من الأهمية . فالشعارات المطلبية ورفض الفساد تتداخل بما هو أهم وهو إعادة تشكيل الهوية من جديد . فالهويات الاجتماعية لا يقررها المفكرون والنخب وانما الجماهير التي تحسها غريزيا دون ان تعي مفاهيمها بوضوح . وبعد ان تصبح واقعاً حيّاً يقوم المفكرون بوصفها ويسمى ذلك الوصف نظريات ينالون بها براءات اختراع كما فعل الفراهيدي عندما وصف الشعر العربي . فهو لم يأت بجديد لكنه صار اشهر من الشعراء الذين وصف أشعارهم وأطلق عليها أسماء .
( ابو زيزوم _ 737 )
2019-10-30