مشاكل الأطفال بدون نسب في العراق:
التحديات التي تواجه الضحية وسبل المعالجة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي*
المقدمة
يُعد ملف الأطفال “مجهولي النسب” أو “بدون نسب” من القضايا الحساسة والمسكوت عنها في المجتمعات المحافظة، ومنها المجتمع العراقي. وتزداد خطورة هذه الظاهرة في ظل الحروب والصراعات والتفكك الأسري والفراغ القانوني، حيث يدفع الطفل ثمن ظروف لا يد له فيها. هؤلاء الأطفال غالبًا ما يكونون ضحايا لجرائم اغتصاب، أو علاقات خارج إطار الزواج، أو تخلي الأهل لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو دينية. وتتحول هذه الطفولة البريئة إلى معاناة طويلة الأمد، تُلازم الضحية طوال حياته.
أولًا: المشكلات التي يواجهها الأطفال بدون نسب
1. الحرمان من الهوية القانونية
• كثير من هؤلاء الأطفال يُحرمون من إصدار هوية رسمية أو شهادة ولادة بسبب عدم وجود أب معروف أو اعتراف قانوني بالبنوة.
• هذا الحرمان يترتب عليه عدم القدرة على التسجيل في المدارس، أو الحصول على رعاية صحية، أو إصدار جواز سفر.
2. التمييز الاجتماعي والوصمة
• يُواجه الطفل وصمة اجتماعية شديدة، يُشار إليه بكلمات جارحة مثل “لقيط” أو “غير شرعي”، ما يرسّخ الشعور بالعار والنقص.
• يصطدم هؤلاء الأطفال بجدران الرفض من قبل مؤسسات المجتمع، بما فيها المؤسسات الدينية أحيانًا.
3. الحرمان من الحقوق المدنية
• لا يحق لهؤلاء الأطفال التملك، أو الانتفاع بالإرث، أو حتى الزواج بسهولة في بعض الحالات، بسبب الغموض في النسب القانوني.
• يُستبعدون من شبكات الضمان الاجتماعي والرعاية الرسمية، ويُتركون فريسة للتشرد أو الاستغلال.
4. المشاكل النفسية
• يعيش الطفل صراعًا داخليًا مريرًا، يشعر بعدم الانتماء، وانعدام الأمان، ويعاني من القلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالآخرين.
• تزداد نسب الانحراف والاضطرابات السلوكية في أوساط هؤلاء الأطفال بسبب الإقصاء والتهميش.
ثانيًا: التحديات التي تواجه الضحية بعد البلوغ
• التمييز في سوق العمل: حيث يُطلب من الشاب أو الفتاة تقديم أوراق ثبوتية أو معلومات عن العائلة، ما يؤدي إلى الإقصاء أو الشك.
• الزواج والأسرة: يواجه هؤلاء صعوبة في الزواج، إذ يُرفضون غالبًا بسبب “أصلهم غير المعروف”، مما يُفاقم مشاعر العزلة.
• غياب فرص العدالة: في حال تعرضهم لاعتداء أو استغلال، يُواجهون صعوبة في الوصول إلى القضاء، أو قد يُتهمون هم أصلًا بالفساد أو الانحراف.
ثالثًا: أسباب تفشي الظاهرة في العراق
• الحروب والنزاعات المسلحة: مثل ما حصل بعد اجتياح داعش، حيث تم توثيق آلاف الحالات لأطفال نُتجوا من علاقات غير شرعية أو اغتصاب.
• الفراغ القانوني والتشريعي: غياب قوانين واضحة تنظم تسجيل مجهولي النسب أو تنظم كفالتهم قانونيًا.
• النظرة المجتمعية المتشددة: المجتمع العراقي التقليدي يرفض الاعتراف بهؤلاء الأطفال كضحايا، ويُحمّلهم تبعات ما اقترفه غيرهم.
• ضعف مؤسسات الرعاية الاجتماعية: لا توجد مؤسسات كافية تتبنى هؤلاء الأطفال، لا من حيث العدد ولا من حيث النوعية.
رابعًا: سبل الحل والمعالجة
1. إصلاح القوانين
• إصدار تشريعات واضحة تُلزم الدولة بتسجيل كل طفل يولد على أراضيها، بغض النظر عن ظروف ولادته، وتمنحه حقوقه المدنية كاملة.
• تعديل قانون الأحوال الشخصية لتوسيع مفهوم الكفالة المدنية والرعاية البديلة.
2. إنشاء قاعدة بيانات وطنية للرعاية
• بناء سجل وطني للأطفال مجهولي النسب وتحديثه دوريًا، مع ضمان السرية والكرامة، لتسهيل رعايتهم وتعليمهم.
3. توفير الدعم النفسي والاجتماعي
• تقديم جلسات دعم نفسي منتظمة لهؤلاء الأطفال والمراهقين، لتمكينهم من تجاوز مشاعر الوصمة والحرمان.
• تدريب كوادر متخصصة في المدارس ومراكز الإيواء للتعامل مع هؤلاء الأطفال بحساسية مهنية.
4. إشراك المؤسسات الدينية والمجتمعية
• إعادة تفسير بعض المفاهيم الدينية المتعلقة بـ”اللقطاء” أو “أبناء الزنا”، بما ينسجم مع قيم الرحمة والعدالة والكرامة الإنسانية.
• إطلاق حملات توعية شعبية لتغيير النظرة المجتمعية، وتعزيز ثقافة الاحتضان والكفالة دون تمييز.
5. دمج الأطفال في المجتمع
• إدماجهم في النظام التربوي والمهني دون أي إشارة إلى ظروف النسب.
• منحهم فرصًا متساوية في التعليم والرعاية والصحة والعمل.
الخاتمة
إن إنقاذ الأطفال “بدون نسب” من براثن الضياع والحرمان لا يُعد مجرد واجب أخلاقي وإنساني، بل هو مسؤولية وطنية تُحتّم على الدولة والمجتمع حماية جيل كامل من أن يتحول إلى قنبلة موقوتة اجتماعيًا وأمنيًا. لا يُمكن أن يُبنى وطن على أسس الاستثناء والتهميش، بل على شمول العدالة لكل أبنائه، حتى أولئك الذين لم يُمنحوا حق اختيار مصيرهم منذ ولادتهم.
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
أكاديمي وباحث في قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية
2025-08-07
