مستقبل غامض لحركة النهضة بتونس بعد مؤتمرها العاشر
د. اعلية العلاني
أنهت حركة النهضة مؤتمرها العاشر المنعقد بين 20 و22 مايو 2016 بتونس وشكّلت هياكل جديدة قديمة كرست 3 أشياء :
أولا دعم سلطة الغنوشي لمدة 4 سنوات، ثانيا، تثبيت الخيار الإخواني في الهيكلة، وثالثا تغيير شكلي في أرضية الحزب الإيديولوجية.
فما هو مستقبل حركة النهضة بعد المؤتمر العاشر، على المستوى المحلي والإقليمي؟
دور الحركة على المستوى المحلي
عملت حركة النهضة في هذا المؤتمر على انتهاج سياسة الإبْهار الإعلامي من خلال حشد آلاف من أنصارها وتعبئة إعلامية كبيرة وتسخير أسطول من السيارات والحافلات دفع بعض المحللين للحديث عن كلفة المؤتمر المرتفعة والتي قدّرتها بعض الصحف بحوالي أربعة ملايين دولار، وهو مبلغ لم يصرفه أي حزب سياسي في مثل هذه التظاهرات، مما طرح عدة تساؤلات حول مصادر تمويل الحركة.
والملفت للنظر أن الدعاية التي رافقت تغطية أعمال المؤتمر لم تكن في مستوى النتائج، فقد حاولت حركة النهضة أن تُبرز أن فصل الدعوى عن السياسي إنجاز تاريخي.
لكن كبار المحللين للحركات الإسلامية اعتبروا هذا الفصل شكلي بما أنه أبقى على التداخل بين الديني والسياسي من خلال ما ورد في خطاب الغنوشي ولوائح المؤتمر التي أكدت كلها على المرجعية الإسلامية للحزب، فالحركة سيصبح لها تنظيم دعوي تُدار فيه الحوارات والنشاطات ذات الطابع الديني البحت، وحزب يشتغل بالسياسة ويستعمل المرجعية الدينية في عمله السياسي، وهو ما اعتبره الكثير من التونسيين توظيفا واضحا للدين في السياسة مما سيضفي غموضا على التوجه المدني للدولة، علما وأن التونسيين متشبثون بثوابتهم الدينية لكنهم يرفضون استغلالها في العمل السياسي. كما يرى عديد المحللين أن الجمعيات التي ستعمل في المجال الدعوي لحساب حركة النهضة ما هي إلا ذراع للحزب لتغذيته بالأنصار والناخبين.
وبخصوص الهيكلة فقد مثّل المؤتمر العاشر استمرارا للمؤتمرات السابقة للحركة في التعامل مع موضوع الهيكلة.
ويُذكر أن ثلث نواب المؤتمر التاسع لحركة النهضة في 2012 كانوا قد طالبوا بانتخاب كامل أعضاء المكتب التنفيذي وأعضاء مجلس الشورى لكن الغنوشي رفض ذلك، وأعاد الكرّة هذه المرة بل هدد بعدم الترشح لرئاسة الحركة بعد حصول اللائحة المذكورة على الأغلبية، فتمت إعادة التصويت ليحصل الغنوشي على 58% من موافقة نواب المؤتمر على السماح له بتعيين أعضاء المكتب التنفيذي لا انتخابهم.
وهذا له أكثر من دلالة، فالشيخ لم يعد يسيطر على أنصاره كما كان الأمر في السابق.
ويمكن القول أن المؤتمر العاشر بقي وفيّا لنظامه الداخلي الإخواني القديم (هذا النظام الداخلي معمول به في كل التنظيمات الإخوانية في العالم العربي) الذي يعطي لرئيس الحركة الحق في تعيين كامل أعضاء المكتب التنفيذي وثلث أعضاء مكتب الشورى.
ونشير إلى أن المؤتمر العاشر لحركة النهضة لم يأت بالجديد لا فكريا ولا هيكليا، ويتوقع العديد من المحللين أن تحصل انشقاقات في المستقبل لأن الغنوشي، أولا لم يؤسس فريقا لخلافته (ولو أن هناك حديثا في الكواليس عن إمكانية أن يخلفه مستقبلا صهره رفيق عبد السلام)، وثانيا لم يؤسس فكرا جديدا يُحوّل حزبه من حزب عقائدي إلى حزب سياسي، وثالثا لأن حجم تمويل الحركة لا يزال يطرح عدة تساؤلات ملحة ومُحيّرة لدى جزء هام من التونسيين.
دور الحركة على المستوى الإقليمي
يُعوّل الغنوشي على لعب دور إقليمي لإقناع إخوان مصر وليبيا باستنساخ التجربة التونسية، وهو يعلم أن ذلك صعب التحقيق فإخوان مصر رغم أنهم بادروا بتهنئة الغنوشي بفوزه بالرئاسة في هذا المؤتمر إلا أن المعطيات الموضوعية في مصر تجعل من قبول الإخوان بحلول وسطى وتنازلات متبادلة أمرا مؤجلا لعدة سنوات.
أما بخصوص إخوان ليبيا فإن شعبيتهم في الرأي العام الليبي نزلت بشكل كبير في الغرب وخصوصا في الشرق وبالتالي يصعب أن يلعب الإخوان في ليبيا دورا سياسيا هاما رغم تواجدهم في حكومة السرّاج.
ويمكن القول أن دور الغنوشي على المستوى الإقليمي لن يكون له تأثير، كما أنه غير قادر على إجراء مصالحة مع بعض دول الخليج المؤثرة. ويعتقد الكثير من التونسيين أن الغنوشي نجح في التأثير على تحويل مسار السياسة الخارجية التونسية وعزْل تونس عن أهم حلفائها في الدول الخليجية وحصرها في العلاقة مع قطر، علما وأن السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين لا تنظر بعين الرضا لسيطرة الإخوان على الحكم في تونس، وهو ما تدفعه غاليا الدبلوماسية التونسية والاقتصاد التونسي. وما دامت سيطرة حركة النهضة واضحة وقوية على دواليب الدولة فلن يكون هناك، حسب عدد هام من التونسيين، انفراج اقتصادي حقيقي قريب في تونس، وستبقى مشاكل البطالة وغلاء الأسعار وضعف الخدمات وارتفاع ظاهرة الفساد متواصلة.
ويرى الكثير من التونسيين أنه على الغرب وأمريكا أن يعُوا بأن مستقبل مصالحهم ليس مع الإسلام السياسي بل مع الأحزاب المدنية التي لا توظف الدين في السياسة، فحزب الغنوشي له شعبية في الخارج أكثر من الداخل، ويُتوقع أن لا تكون نتائجه في انتخابات 2019 البرلمانية هامة.
وإجمالا فإن المؤتمر العاشر لحركة النهضة ربما يكون المؤتمر الأخير للحركة وهي في الحكم، لأن نُذُر الأزمة الاقتصادية القادمة وغضب الشباب الذي يزاد حدة، وغياب الاستثمار وخاصة الاستثمار الخليجي الذي بقي دون المأمول بكثيرسيعجّل حسب بعض الملاحظين بانسحاب تدريجي لحركة النهضة من مراكز القرار في السلطة التونسية.
ونشير في الختام إلى أن النهضة فوّتت في هذا المؤتمر على نفسها فرصة الإصلاح الحقيقي، فلا هي تبرّأت من الإخوان في لوائحها، ولا هي تخلت عن المزج بين الدين والسياسة بل كرست موقعها كحزب نحلة sect لا كحزب ديمقراطي مدني، وأحزاب النحلة عادة لا تعمر طويلا في الحكم وأمل الحياة لديها لا يتعدى بضع سنوات، وقد رأينا ذلك في تجربة السودان قبل الربيع العربي وفي التجارب الأخرى بعد الربيع العربي.
02-06-2016