مساهمة موجزة في الجدل المحلِّيّ الدَّائر الآن!
سعود قبيلات.
أثارت رسالة الملك إلى مدير المخابرات العديد من التَّساؤلات والتَّكهّنات. وتالياً، بعض الملاحظات والتَّكهّنات (والتَّساؤلات) الموجزة في هذا الشّأن:
1. لا يمكن للمرء إلا أن يتذكَّر، هنا، أنَّ السّعوديّة – بكلّ ثقلها – اضطرَّتْ مؤخَّراً، ولأوَّل مرَّة، إلى إلغاء حكم بإعدام شابّ معارِّض، وإطلاق سراح فتاة معارضة استمرّ وجودها في السِّجن لسنوات.
2. العلِّة الأساسيّة في بلادنا ليست في ممارسةٍ تعسُّفيَّةٍ لهذا الجهاز أو ذاك، بل هي في نمط الحكم الفرديّ المطلق (الأوتوقراطيّ). والنِّظام في الأردنّ، واحد مِنْ آخِر عشرة أنظمة في العالم لا تزال تتمسَّك بهذا النَّمط القروسطيّ مِنْ أنماط الحكم.
الأنظمة الملكيّة الأخرى (مملكة، إمارة، سلطنة، دوقيّة.. الخ)، وعددها 32 نظاماً، محكومة بصيغ حكم ديمقراطيّة عصريّة؛ حيث الولاية العامّة فيها للحكومة المنبثقة مِنْ أغلبيّة نيابيّة منتخبة انتخاباً حُرّاً ونزيهاً، أمَّا الملك أو الأمير أو السّلطان أو الدّوق، فهو رمز للدّولة فقط ولا شأن له بأعمال مباشرة السّلطة. ومِنْ هذه الدُّول الملكيّة الدِّيمقراطيّة، مملكة ماليزيا البلد «المسلم»؛ حيث العالم كلّه يعرف رئيس وزرائها السَّابق، مهاتير محمّد، الَّذي صنع نهوضها وتنميتها الباهرين.
الأجهزة (بما فيها المخابرات) والهيئات الأخرى المختلفة، في بلادنا، تعمل بالأوامر والتّوجيهات، وقد ترسَّخ هذا الوضع مع التَّعديلات الدّستوريّة الأوتوقراطيّة الأخيرة؛ حيث أصبح الملك يُعيِّن مدير الدَّرك ومدير المخابرات، مِنْ دون تنسيب – حتَّى لو شكليّ – من الحكومة. وهذا ناهيكم عن مصادقة مجلس النُّوّاب – كما في الدّول الديمقراطيّة – على هذه التَّعيينات.
3. في ما يخصّ الصَّلاحيَّات الأمنيّة الواسعة للمخابرات (وخصوصاً ما يتعلَّق منها بالحرّيّات العامّة وحقوق الإنسان وحقوق المواطن والحقوق الدِّيمقراطيّة)، ثمَّة سؤال ضروريّ ملحّ: هل ستُلغى هذه الصَّلاحيَّات نهائيّاً وتُعاد الحقوق والحُرِّيَّات المرتبطة بها إلى النَّاس؟ أم أنَّها ستُحوَّل مِنْ جهاز المخابرات إلى جهازٍ أمنيٍّ آخر؟
هذا ما يصنع فرقاً. وبخلاف ذلك، فلا فرق يُحتَسَب.
4. في ما يخصّ الكلام عن إعادة الصَّلاحيّات الإداريّة والرِّقابيَّة، الَّتي تجاوزت عليها المخابرات، إلى جهات الاختصاص (الحكومة، النّواب، القضاء، والهيئات الأخرى المختلفة)، فإنَّ هذا يحتاج إلى تعديلات دستوريّة جذريَّة تضع الأمور في نصابها الصَّحيح، فتعيد الولاية العامّة إلى الحكومة؛ وتضمن استقلال القضاء استقلالاً تامّاً؛ وتضمن، كذلك، تمتّع البرلمان بدوره التَّشريعيّ الرِّقابيّ المطلوب. وهذا يتطلَّب، قبل كلّ شيء، أن يكون البرلمان كلّه (بما فيه الأعيان) منتخباً انتخاباً حُرَّاً ونزيهاً.
5. أُشير، هنا، إلى تصنيف النِّظام في الأردنّ، مؤخَّراً، كنظام استبداديّ، على «مؤشِّر الدِّيمقراطيّة العالميّ»، وحلوله في المرتبة 118 بين الدُّول الأعضاء في الأمم المتَّحدة. وهو تصنيف خطير، لأنَّه يتمّ في دولة تحدب على النِّظام، هي بريطانيا، وليس في دولة معادية له. الأمر الَّذي يتطلَّب إطلاق سراح معتقلي الرَّأي والتَّعبير، وإلغاء قوانين تكميم الأفواه (وفي مقدّمتها ما يُسمَّى قانون الجرائم الإلكترونيَّة)، والكفّ عن ملاحقة النَّاشطين المعارضين ومضايقتهم، ووقف تقييد عمل الأحزاب ومعاقبتها.. وخصوصاً، إجراءات معاقبة «حزب الشَّراكة والإنقاذ» على موقفه الشّجاع من الانتخابات النِّيابيّة الأخيرة الَّتي سرعان ما تكشَّف أنَّها كانت معيبة.
6. بالمختصر، هذا بعض ما نحن عليه الآن بعد مائة سنة مِنْ قيام النِّظام الحاليّ في البلاد. وبما أنَّ المحتفلين يحتفلون بـ«المئويَّة»، فقد آن الأوان لصُنع شيءٍ حقيقيّ.. آن الأوان لدخول العصر والالتحاق بالحداثة والتَّنمية والنُّهوض. وهذا غير ممكن إلا بتغيير ديمقراطيّ عميق؛ يضمن للشَّعب أن يكون هو وحده مصدر السُّلطات.. ما يعني وجوب اقتران الصَّلاحيَّات التنفيذيّة لإدارة الدَّولة بشرط الانتخاب الدِّيمقراطيّ الحُرّ النَّزيه، واقتران المسؤوليّة بالمساءلة، وقيام دولة القانون والمؤسَّسات. وهذه، بالذَّات، هي الرِّسالة الحقيقيّة البليغة الَّتي ينتظرها الشَّعب الأردنيّ والَّتي يمكن توجيهها أيضاً إلى العالم بكلّ ثقّة وفخر.
2021-02-20