مريم عدنان: شهيدة الشيوعية العراقية!

بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في خضم الأحداث المأساوية التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، تصدح أسماء كثيرة من نضال الشيوعيين ضد الطغيان والظلم، ومن بين هؤلاء الأبطال تبرز مريم عدنان، المرأة التي صنعت من جسدها المطحون بالآلام رمزًا للثبات والمقاومة ضد النظام البعثي في العراق. ولدت مريم في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، في فترة كان فيها العراق يعج بالتغيرات السياسية والاجتماعية، وكان صوت الشيوعية يرتفع في ظل القمع المستمر من الأنظمة الحاكمة.
نشأتها ووعيها السياسي:
مريم نشأت في بيئة شعبية حيث كان الفقر والفاقة هما السائدين، لكن ذلك لم يثنها عن التفكير والبحث عن العدل والمساواة. انضمت إلى الحزب الشيوعي العراقي في وقتٍ مبكر من حياتها، ولم يكن ذلك خيارًا سهلًا في ظل الأوضاع السياسية المعقدة التي كانت تشهدها البلاد، فقد كانت الشيوعية في العراق تعد من أبرز الحركات المعارضة التي تقف في وجه النظام البعثي.
الاعتقال والتعذيب:
مع بداية الثمانينيات، اشتد القمع ضد الأحزاب السياسية المعارضة، وخاصة الحزب الشيوعي العراقي. في عام 1982، تم اعتقال مريم عدنان من قبل أجهزة الأمن البعثية، بعد أن تم رصد نشاطها الثوري في تنظيم المظاهرات والتكتلات المناهضة للنظام. تعرضت مريم لأبشع أنواع التعذيب في سجون النظام البعثي، حيث كانت أدوات التعذيب تتنوع بين الصعق الكهربائي، الضرب المبرح، والتهديدات المستمرة بالقتل.
ورغم هذا، كانت مريم ثابتة في مواقفها السياسية، ترفض الانصياع لأوامر النظام وتبقى على يقين بأن مقاومتها سوف تثمر في يومٍ من الأيام. كانت قوة إيمانها بقضيتها وبحق الشعب العراقي في الحرية والعدالة هي ما جعلها تبقى صامدة رغم كل الظروف القاسية.
أسباب إعدامها:
في عام 1983، تم محاكمة مريم في محاكمة صورية، وهي واحدة من العديد من المحاكمات التي نظمتها السلطات البعثية في تلك الفترة ضد الشيوعيين. لم تكن المحاكمة سوى إجراء شكلي، فالتهم كانت جاهزة سلفًا: الانتماء إلى حزب معارض، والتخطيط للإطاحة بالنظام. في 13 مايو 1983، صدر حكم الإعدام بحقها، وتم تنفيذ حكم الإعدام في اليوم التالي.
لكن مريم لم تكن فقط ضحية لنظام قمعي، بل كانت رمزًا للصمود والشجاعة، فقد تمسكَت بقيمها حتى آخر لحظة. وقبل أن تواجه الموت، كتبت مريم رسالة مؤثرة إلى والديها، حيث أوصتهما بالعناية بابنها مجيد، وبالتمسك بالثبات على المبدأ وعدم الاستسلام. كتبت في رسالتها:
“إنني أواجه الموت وأنا واثقة أن القيد لن يعوق صوتي، وأن الحرية ستظل حلمًا يراود أبناء هذا الوطن، وأن الظلام الذي يحيط بنا اليوم لن يدوم طويلاً. لا تحزنوا عليّ، فالميت في سبيل وطنه لا يُعتبر ميتًا بل هو حي في ذاكرة الأحرار.”
الخاتمة:
مريم عدنان تُعتبر رمزًا من رموز الشجاعة والصمود في وجه القمع السياسي في العراق، وهي واحدة من تلك الأيقونات التي ناضلت بكل ما أُوتيت من قوة من أجل حق الإنسان في الحرية والعدالة. لا تزال ذكرى مريم حية في قلوب المناضلين، ويُحتفل بها في المناسبات الوطنية لتظل ذكرى تضحياتها حافزًا للأجيال القادمة في السعي وراء الحرية.
في هذا اليوم، نحن مدينون لمريم ولكل الشهداء الذين سقطوا من أجل القيم الإنسانية العظيمة، والذين لم يرضخوا للظلم رغم كل الظروف القاسية. إن مواقفها تبقى درسًا في الثبات والمقاومة، ويجب أن نذكرها دوما في سعينا لتحقيق العدالة والمساواة في مجتمعنا.
2025-05-06