محكمة الأزل: غزة والخبز المحرم!
خالد عطية
منذ الأزل، منذ أن كتب الإنسان أول شريعة على ألواح الطين في سومر، ومنذ أن نُقشت شرائع حمورابي على الحجر، منذ أن نزلت الوصايا العشر على سيناء، منذ أن دون الفلاسفة الإغريق قواعد العدالة، ومنذ أن أعلنت الأمم شرعة حقوق الإنسان في باريس، والضمير البشري يردد قاعدة واحدة: الخبز حقّ لكل إنسان، والجوع جريمة لا تسقط بالتقادم.
في غزة اليوم، تُداس كل تلك الشرائع، يُخرق كل قانون، ويُغتال كل مبدأ. تُنتهك اتفاقيات جنيف التي تحرّم العقاب الجماعي. تُداس المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل لكل إنسان الغذاء والكرامة. تُهدم روح كل قانون وضعه البشر يوماً لحماية الإنسان من وحشية أخيه الإنسان.
في غزة، الجوع ليس قضاء وقدر. الجوع قرار. الجوع سياسة. الجوع خطة عسكرية مكتوبة في مراكز الأركان، وينفذها الجنود الباردون الذين يفتحون ويغلقون المعابر، يقيسون السعرات المسموح بدخولها .
في غزة، الجوع صار أداة حرب. ليس جوعاً بالمعنى الطبيعي، بل تجويعاً متعمداً، مدروساً، ممنهجاً، بطيئاً بما يكفي لترويض الناس، وقاسياً بما يكفي لإذلالهم.
هذا ليس فقط جريمة حرب. إنه جريمة ضد الأزل. إنه خيانة لكل ما كتب على ألواح الطين وألواح الحجر، خيانة لكل كتاب مقدس، خيانة لكل ما نعتقد أننا نعرفه عن معنى أن نكون بشر.
كل مواثيق جنيف، كل مواد الإعلان العالمي، كل العهود الدولية، كل الدساتير الوطنية، كل الديانات السماوية، كل الفلسفات الوضعية، كل الأخلاقيات الفطرية… تنهار اليوم على بوابة غزة. يسقط كل شيء. يسقط الإنسان. يسقط التاريخ. وحدها غزة واقفة، في مواجهة موت لا تعرف له اسماً.
أيها العالم، لا تقولوا لنا إن الجوع سلاح جديد. الجوع سلاح قديم، استخدم في القرون الوسطى، ضد المدن المحاصرة، ضد الهنود الحمر، ضد الأرمن، ضد سكان بنغلادش. لكن أن يحدث هذا في القرن الحادي والعشرين، أمام الكاميرات، على الهواء، في حضرة كل هذه الشرائع والمواثيق، فهو إعلان موت للقانون والضمير معاً.
في غزة، الخبز قانون. الماء قانون. الحليب قانون. الكرامة قانون. وكل من يصمت عن قتل هذه القوانين، شريك في قتل الإنسان.
إن حرب التجويع في غزة ليست فقط حرباً ضد شعب. إنها حرب ضد الفكرة نفسها التي جعلتنا نعتقد يوماً أننا بشر. وكلنا، منذ اليوم، مدانون أمام محكمة الأزل.
2025-07-24
