محاولة تحليل تفشي الفساد في العراق!
ابو زيزوم الغري.
أغرب ما أفرزته تجربة النظام الجديد في العراق ان الإسلاميين هم الأفسد على الإطلاق ( أقصد السياسيين الإسلاميين من الطائفتين ) وهم الأقل مخافة لله . ويتناقص ذلك الجشع بينهم كلما ابتعدنا عن الدين وصولاً الى العلمانيين والشيوعيين والملحدين الذين أثبتوا حتى الان أنهم الأنظف يداً . مع التنويه بأني لا أعمم ولا اشمل المتدينين العاديين وبينهم الكثير ممن يعصمه معتقده عن ارتكاب الآثام .
الظاهرة تستدعي التأمل ومحاولة التفسير . وعندي لها تفسيران : الاول : ان الظرف التاريخي سمح للأحزاب الاسلامية ان تمسك مقاليد الأمور بعد الاحتلال . فاغترفت من المال المبذول بغير حساب . وللمال وهج يطغى على المثل والمعتقدات عندما يتوفر بهذا الكم والسهولة . ولو كان العلمانيون هم الممسكون بالسلطة لفعلوا ذات الشيء ، لكنهم دُفعوا الى الهامش فرفعوا المُثل العليا والشرف عالياً .
الثاني : ان الذين تولوا السلطة منذ عام 2003 حتى الان هم الذين كانوا في الخارج معارضين . وقد أمضوا أزمنة طويلة مشردين في المنافي ، حتى باتوا غرباء عن العراق وأدركهم اليأس من إمكانية إسقاط حكم البعث . وكانوا يرقبون بكراهية شديدة هذه الملايين وهي تهتف وتصفق لصدام حسين بلا انقطاع . فكانوا يقولون في العلن غير ما يجيش في صدورهم . في العلن يقولون ان العراقيين مجبرون على التصفيق لـ ( الطاغية ) . اما في قرارة نفوسهم فيشعرون ان هذا الشعب منافق يميل حيثما مالت الريح .
ومع الوقت تعرضت عواطفهم ومعها قناعاتهم الى عملية حيدان كبرى . فأصبح صدام والمصفقون له والدولة برمتها حالة واحدة ، مكونات مختلفة لمعسكر العدو . فلما حان لهم ان يعودوا ويقبضوا على السلطة تعاملوا مع البلد على هذا الأساس . لم يستطيعوا وربما لم يحاولوا إيقاظ المشاعر القديمة الدارسة في ارواحهم . لم يتمكنوا من الإقتناع الفعلي بأن هذا الشعب شعبهم وهذا الوطن وطنهم . لقد تصرفوا من الناحية العملية على انه شعب صدام ودولة البعث . هذا هو التفسير الوحيد لمستوى النهب الذي مارسوه ويتضاءل أمامه النهب الذي قام به المحتلون أنفسهم . لم يظهروا أي قدر من الاهتمام او الإشفاق على الملايين المسحوقة والتي يمكن إزالة معاناتها بنصف الاموال المنهوبة فلم يكترثوا لذلك . أتكلم عن سياسيي الصف الاول الذين بيدهم اتخاذ القرار المركزي وأغلبهم ممن كانوا في الخارج غائبين ردحاً من الزمن .
وهو ما يفسر أيضا إصرارهم على قانون اجتثاث البعث . انا لا اعتقد ان الدافع الانتقامي ، رغم وجوده ، هو السبب الرئيسي لإصدار ذلك القانون . فهو يشير بوضوح الى ان رموز العملية السياسية الحالية غير واثقين من أنفسهم ويخشون عودة البعث الى السلطة عبر الانتخابات . فقضية الخلط بين الشعب العراقي وصدام حسين ترفض مغادرة يقينهم . إنهم ، وهنا المفارقة ، يعتقدون ان الشعب العراقي يحب صدام حسين أكثر مما كان صدام نفسه يعتقد . فلو كان صدام يثق بأن أغلبية العراقيين تطيعه دون إكراه لأعطاها قدراً اوسع من الحرية .
في حقبة الانقلابات العسكرية التي مرت على العراق لم يكن المنقلبون يتجاوزون على شيء من المال العام . كانوا يتصارعون على السلطة ويعدم بعضهم بعضا ، وكانوا جهلة وبلا مشاريع سياسية او اقتصادية لكنهم احتفظوا بفضيلة الانتماء لهذا الشعب أمناء على امواله . بينما هؤلاء ينهبون المليارات والشعب يتضور جوعاً دون ان يهزهم ألم المنتمين فعلا للعراق .
( ابو زيزوم _ 740 )
2019-11-013