مجرد سؤال : ماذا قدمت السعودية للقضية الفلسطينية ؟
بقلم أحمد الحباسى*
نقرّ و نعترف بأنه من الصعب أن نجيب عن هذا السؤال دون نبش الذاكرة و تقديم الأدلة و تجميع الصورة و كشف المستور كما نقرّ و نعترف أن النبش في هذا الموضوع مؤلم للمشاعر و يكشف أن الشعب الفلسطيني و القضية الفلسطينية قد تعرض إلى خيانة موصوفة و متعمدة من كثير من الحكام العرب و أولهم طبعا و بالذات كل الحكام السعوديين منذ ما قبل وعد بلفور المشئوم إلى الآن . من البداية كانت هناك خيانة موصوفة و من البداية كان الملك عبد العزيز آل سعود شريكا فيها بشكل متعمد و مباشر على الأقل هذا ما ينقله مستشاره الشهير جون سانت فيلبى بل كان لا يرى في القضية الفلسطينية ما يستحق شلّ و تعطيل علاقته الموصولة مع الصهاينة و البريطانيين و الأمريكان . بعده تكررت الخيانة مع الملك فيصل الذي سعى إلى حثّ الأردن على الإسراع باجتثاث المقاومة الفلسطينية و قبرها و التخلص منها داعيا صراحة و دون لبس إلى القضاء المبرم عليها .
لقد سعت المملكة السعودية دائما إلى أن تكون لها الكلمة العليا و الفصل فى كل ما يخص القضية الفلسطينية و استغلت ما يسمى بالجامعة العربية لتمرير كل مخططات الخيانة و بيع الذمة للمحتل الصهيوني و كان لضغوطها السياسية دور في تمرير عدة قرارات مشبوهة لا تخدم المصلحة الفلسطينية و قد تمكنت على هذا المستوى من لعب دور أقل ما يقال فيه أنه مسيء خاصة إبان انعقاد مؤتمر القمة العربية ببيروت حين تركت الرئيس الراحل ياسر عرفات تحت وابل من رصاص الاحتلال و تدخل دباباته بإيعاز من رئيس الحكومة أريــــــــــــال شارون مما دفعه إلى إطلاق صرخته المدوية الشهيرة ” يريدون أن أكون طريدا ..طريدا ، أكون شهيدا ” و الموجهة للملك السعودي الراحل عبد الله الذي طالب القمة باعتماد مبادرته الخبيثة ” الأرض مقابل السلام ” و هي مبادرة أثارت تعاليق سخرية و نفور من كافة الشعوب العربية التي رأت فيها باكورة فكرة تطبيع مقنعة من العدو لا غير.
يشكل الاندفاع السعودي الكبير للتطبيع مع الكيان الصهيوني أحد ” مفاخر ” هذا النظام و لا يتورع السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة الأمريكية و الصديق الشخصي للرئيس الأمريكي المجرم جورج بوش الأب و الابن بالتذكير من كون السعودية هي من دفعت تكاليف مؤتمر مدريد . تصريحات المسئولين السعوديين مثل تصريحات مدير المخابرات السابق الأمير تركي الفيصل و التي نعت فيها عملية طوفان الأقصى بأبشع النعوت لا تأتى في سياق معزول و لا يمكن الادعاء بكونها لا تمثل الحكومة و النظام السعودي بالذات و هي دليل على وجود موقف سعودي صريح بمعارضة كل نهج مقاوم و زجر كل من يفكر في استرجاع الحق الفلسطيني بالقوة و الوقوف المشبوه مع ما يسمى بالسلطة الفلسطينية التي جاءت تصريحاتها مماثلة للتصريحات السعودية في عنفها ضد ملحمة طوفان الأقصى محملة المقاومة وزر المجازر الدموية التي اقترفها الاحتلال و باركتها القيادة السعودية بتنظيم احتفالات غنائية في وقت تسيل دماء الفلسطينيين أنهارا في غزة .
حين يغرّد تركي الحمد أحد كتاب النظام السعودي قائلا بمنتهى البساطة و الإسفاف ” فلسطين ليست قضيتي ” فان الجميع يدركون أن هذا الكاتب لا ينطق إلا بلسان مموليه و سادته في نظام السعودية الذي يمنع التلميح و التصريح إلا بإذن و لو جمعنا المقالات التي عارضت و انتقدت ملحمة طوفان الأقصى و تجاوزت بسنوات ضوئية كل ما ينشر في وسائل الإعلام الصهيونية يضاف إلى ذلك ما تتقيأ به قناة ” العربية” من خطاب ذليل ضد المقاومة و مساندة مطلقة للأعمال الإجرامية لجيش الاحتلال الصهيوني و التي دفعت الضمائر العالمية الحية إلى التعبير عن سخطها بمظاهرات شاهدها العالم و دفع حكومة جنوب إفريقيا إلى تقديم قضية أمام محكمة العدل الدولية من اجل ارتكاب مجازر تطهير عرقي من طرف إسرائيل في سابقة قضائية تاريخية تؤكد بمنتهى الوضوح أن العالم الحر في واد و نظام آل سعود في واد سحيق مخالف فان المحصلة ستشهد بأن النظام السعودي لا يملك من المبادئ و المشاعر شيئا. من العار أن يتبنى النظام السعودي شعار ” حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب ” بعلة خصومته مع حماس و مع إيران و أن يطلق عنان ألسنته الإعلامية لضرب مفهوم المقاومة و الحال أن هذا المنطق عقيم و يثير الاشمئزاز لان الدم الفلسطيني المهدور هو نفسه و الشعب المقهور هو نفسه و الجلاد هو نفسه .
لقد لاحظ المتابعون أن النظام السعودي قد منع ظهور و بروز أي ردّة فعل أو تعاطف أو مدّ تضامني مهما كان نوعه مع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة و رفض اعتبار طوفان الأقصى مقاومة للاحتلال النازي الصهيوني و هذا الموقف السقيم لا يمكن أن يصدر إلا من قادة السعودية و من ولى العهد ذاته ، بطبيعة الحال كان منتظرا أن تساند المؤسسة الدينية المنبطحة النظام بإطلاق فتاوى تدعو إلى تجريم و تحريم كل التظاهرات دعما للمقاومة و للشعب الفلسطيني . إن تنديد النظام السعودي بالضربات الصاروخية اليمنية التي تستهدف الكيان الصهيوني و بالعمليات التي تستهدف السفن المتوجهة إليه هو دليل ساطع على إفلاس ذهني و أخلاقي ما بعده إفلاس و هذا الإفلاس نفسه هو الذي دفع النظام إلى تنظيم حفلات غنائية صاخبة ظنا منه أنه بذلك سيحجب عن ضمائر الأحرار فى السعودية و فى العالم أصوات المغدورين في غزة و نحيب الصغار الذين فقدوا عائلات بأكملها بسبب الوحشية الصهيونية التي تمولها خزائن السعودية و أمريكا .
كاتب و ناشط سياسي .
2024-03-26