[ متى تكون الحرّيّة .. بنتَ المركزيّة ؟ ]
[ من الحرّيّة إلى الدّيموقراطيّة و أسرار التّنظيم ]
( الحلقة الأولى ” 1 من 2 ” )
● د . بهجت سليمان.
■ الدّيموقراطيّة ليست وصفة اجتماعيّة أخلاقّية تُطبّق على الجروح ، فإذا بها مسحة رسول .. و لكنّها نظام سياسيّ مشروط بنسبة من الوعي الاجتماعيّ و حالة وعي عالية ، تؤسّس للحرّيّة التي هي زحف للعقل نحو الضّوء و تخلّص من قيود الثّقافة القاتلة و المميتة و المخزونة ، في أسرار الأدمغة و المشاعر و الأحاسيس المحّنطة منذ قرون و قرون .■
■ و الحرّيّة ليست مرتبطة بالدّيموقراطيّة ارتباط الطّلب بالبرهان ، و إنّما هي حالة من الوعي الذي يتّسع له عقل معاصر أدرك شروط الاستمرار في العالم أمام تهديدات الزّوال و الانقراض . ■
1▪ في تزاحم مصطلحات و مفاهيم السّياسة ، المعاصر ، و الذي كان له نقطة انعطاف حادّة مع ”ثقافات”الحداثة ، تداخلت المدلولات المتمايزة في مصطلحات تبدو واحدة في المؤدّى ، على رغم ما يفصلها ، في ما بينها ، من حدود و شروط استعماليّة و واقعيّة و محدّدة و عيانيّة ، لا يمكن تبادلها بالاختزال أو الضّم أو الممازجة الكيفيّة أو التّرادف و ربّما حتّى في التّداعي الدّلاليّ .
من أهمّ ما ظهر من آثار ذلك الازدحام ، كان ما جرى ، و يجري إلى اليوم ، الخلط به في ما بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة على أنّهما مصطلحان يقولان الشّيء نفسه ، مع أنّ الواقع التّاريخيّ ، قبل الواقع العيانيّ ، قد كذّب هذا الزّعم و جعل منه واقعاً استثماريّاً لشيء أو لأشياء مغايرة و ربّما متناقضة مع الدّلالات المفهوميّة الأساسّية لكلا الاصطلاحين .
لقد صار ، اليومَ ، من المقبول القول بأنّ جميع المعتقدات الأساسّية أو المركزيّة في ما يعني البشر مجتمعين ، إنّما تنطلق من مآزق أو نحديات شخصيّة كما تبدو ، في ما هي تلخّص سيرة الإنسانّية أو ذلك الجزء من السّيرة الذي يعني الجميع ..
وليست الحرّيّة بهذا المعنى استثناءً يمكن أن يضغط على الجانب الرّخو من تلك القناعة ، بل لعلّها تساهم في تأكيدها ، نظراً لتعلّق مشكلة الحرّيّة بحدود فعل و قناعة و إيمان كلّ فرد بشريّ على حدة ، كما لتعلّقها بحدود الوجود البشريّ كظاهرة سوف تبقى مُلغَزَة ..
وحيث صار الإنسانُ المعاصر يقصُرُ مسألة الحرّيّة ( و الدّيموقراطيّة ) على توقّي العنف و الاستبداد و الّتعسّف ، كان ملازماً لذلك اختلاط مفهوم الحرّيّة الغائم مع مصطلح الدّيموقراطيّة الأكثر غموضاً في مفهومه المتحرّك ، منذ أوّل نشأته الفلسفيّة عند الإغريق و حتّى يومنا هذا ، فإذا نحن أمام ثقافة معاصرة لا تفرّق و لا تعرف كيف تفرّق بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ، في غضون تداخل المفهومين بالفعل و عدم اكتراث التّصنيفات السّياسيّة الرّاديكاليّة ، بعزل الحدّين عزلاً نظريّاً و لا عملّياً ، مما أثار الحاجة المتكرّرة للبحث في كلّ من المفهومين من النّاحية الفلسفيّة على أقلّ تقدير ..
و يحسن بنا في هذه المناسبة الفصل المفهوميّ بين ”الدّيموقراطيّة” و ”الحرّيّة” و العودة ، فلسفيّاً ، أخيراً ، للبحث في إطار الحرّيّة ، السّياسيّ ، و في العلاقة بين الحرّيّة و المركزيّة على عكس ما يُشاع في الثّقافة االسّياسيّة المعاصرة .
● أوّلاً – في الدّيموقراطيّة :
2▪ لن يُفيدنا أن نتناول هذا المفهوم من حيث تناوله أو بدأه الآخرون بالتّناول ، و لذلك كان حريّاً بنا أن ننطلق من آخر ما استقرّت عليه أنواع الفهوم المختلفة للدّيموقراطيّة كمفهوم و مصطلح و مشكلة في الوقت نفسه .
أثبتت الممارسة السّياسيّة التّاريخيّة للدّيموقراطيّة ، أنّها ، بالإضافة إلى ما هو معروف عنها ، تبدو كمشكلةٍ في طغيان انفصال القرار السّياسيّ ”الجماعيّ” – و هذا من تعريفات الدّيموقراطيّة – مسلّحين بأقوى الأسلحة الاجتماعّية التي تسوّغ الطّغيان و الاستبداد ، و هي وصول هؤلاء إلى موقعهم المغتصَب ، بواسطة الاجتماع أو الإجماع النّسبيّ التّمثيليّ الذي تعبّر عنه الدّيموقراطيّة خير تعبير .
و فيما تتحوّل ”الدّيموقراطيّة” إلى سوق تنافسيّ للمال و الإعلام و القّوة الاحتكارّية للمصالح الكبرى و جبروت المدّ العولميّ المعاصر ، فإنّه ما من أحد يجرؤ على نقد ”الدّيموقراطيّة” بعد أن ناضلت من أجلها الشّعوب و الدّول و القوميّات على مدار تاريخ طويل ، جعل من ممارساتها أفعالاً محصّنة بإسمها المثير و المضلّل لكلّ فهم عامّيّ و شعبويّ للسّياسة ، بوصفها – ( الدّيموقراطيّة) – حكم الجماهير أو حكم الشّعب !
و المفارقة الكبرى ، المعاصرة ، هي في أنّ مفاهيم و هيئات و جمعيات للدّفاع عن ”حقوق الإنسان” ، إنّما كانت أن ظهرت ، أوّل ما ظهرت ، في المجتمعات و الدّول التي يُفترض أنّها ملاذٌ للدّيموقراطيّات بمختلف أنواعها ، و أنّها هي أوّل و أرقى من أبدعت في التّطبيق السّياسيّ مضمون مصطلح ”الدّيموقراطيّة” في المفهوم و الممارسة على حدّ سواء .
3▪ في الحرب و السّلم نستطيع أن نضبط ظاهرة معاصرة جدّاً ، يحقّ لنا أن نسمّيها سُعار الدّيموقراطيّة أو سُعار الحضّ على الدّيموقراطيّة أو سُعار فرض ما يُسمّى بالدّيموقراطيّة على شعوب و دول العالم بالقوّة المسلّحة ، التي يعزّز منها فروض الاستثمارات المالّية الرّيعيّة لرأس المال الماليّ العالميّ و إخضاع العالم للنّظام النّقديّ الواحد ، الذي تتولّى تدبيره سياسات صندوق النّقد الدّوليّ الذي يقع مقرّه في ( واشنطن ) ، و البنك الدّوليّ الذي يقع مقرّه أيضاً في ( واشنطن ) ، و البنك المركزيّ الأميركيّ :
[ النظام الاحتياطي الأمريكي ( بالإنجليزية: Federal Reserve System ) ( ويترجم أحيانا إلى العربية الاحتياطي الفيدرالي ) جهاز حكومي فيدرالي، يعمل في الولايات المتحدة عمل البنوك المركزية في الدولالأخرى من العالم. أسس عام 1913 بموجب قانون الاحتياط الفيدرالي بعد سلسلة من الأزمات المالية ( وخصوصا تلك التي وقعت عام 1907 ). ]
المدعوم من قبل أكبر وأكثر العائلات اليهودّية ثراءً و قوّة و انتشاراً و تحكّماً في (أميركا) و في العالم ؛ و التي تقود بمجملها سياسة ”فرض”(!) ”الدّيموقراطيّة” على هذا العالَم الذي يتضاءل أكثر فأكثر تحت حوافر غيلان هذا ”الّنظام الدّيموقراطيّ” العالميّ المزعوم .
من المعروف جيّداً كيف تقود هذه ”المؤسّسات النّقديّة” العالميّة دول العالم و كيف تتحكّم بمصائر شعوبها و أفرادها عن طريق ”الإقراض” المخّطط و المشروط ، أو من خلال ”إعادة الإعمار” ذات الأهداف السّياسيّة التي يتولّى سنّها و صياغتها ”البنك الدّوليّ” ، بعد أن تعمل القوى و الدّول و الاحتكارات الأعتى همجّية و بربريّة في العالم ، أصحاب تلك المؤسّسات الماليّة العالميّة ، على تدمير اقتصادات الدّول و إشعال الحروب و تفتيت الإنسان و إملاق الشّعوب .
4▪ تبدو ”الدّيموقراطيّة” ، على هذا الطّراز ، النّظامَ العالميّ الأكثر ”عدالة”في توزيع الفقر على البشريّة ، و الأكثر تحقيقاً للمساواة في تطبيق الظّلم و القهر و العوز و الحرمان على الإنسانّية جمعاء ، تلك التي لا نصيب لها بالمشاركة في حكومة الأرض .
فهي ( أي : الدّيموقراطيّة ) ” النّظام ” العادل في سحق الشّعوب تحت مسمّيات من الأوهام المصنوعة على قدّ مصلحة رأس المال الماليّ الرّيعيّ العالميّ ، و الذي يستفيد منه القلّة أو النَّدرة الذين يوزّعون جشعهم المسعور في مؤامرة فكريّة ثقافيّة ، تنتظم المنظومات السّياسيّة الرّاديكاليّة بتوجيه و تعاون مع هذا ”النّظام العالميّ” شديد التّعقيد و الإبهام ، مسخّراً تلك الأنساق ”الثّقافيّة” ضدّ دولها و شعوبها ، لقاء جملة من المصالح الهزيلة و الوعود العملاقة التي تقزّم أحلام هؤلاء بالتّبشير بديموقراطيّة لفظيّة – إسميّة ، لا تتعدّى أن تكون هيمنة على العالَم .
5▪ يقتضي منّا ”التّفكيك” المفهوميّ أن لا نقبل بعد اليوم خرافات العالم السّياسيّة ، كما هو الأمر بالنّسبة إلى بعض الخرافات ”العلميّة” الهزيلة واسعة الانتشار في عقول البشر .
لقد أثبت العالَمُ ، و هو يُثبت باستمرار ، أنّ الكثير من المفاهيم التي استوردناها و حفظناها حفظاً ببغاويّاً ، إنّما هي بحاجة إلى وقفة فكريّة طويلة معها ، بنقدٍ و تفكيك عميقين ، كما هو حاصل ، اليومَ ، مع الكثير من النّظريّات العلميّة الكاذبة و العاجزة و التي اعتبرت من المسلّمات و المصادِرات و البديهيّات حتّى الآن .
إنّ أمثلة تصدير ”الدّيموقراطيّة” إلى الشّعوب التّواقة إلى الطّعام و الشّراب بشرف و كرامة ، كادت أن تنطلي حتّى على عقول ”مفكّرين” أو أنّ موقعهم في معادلات العالم الافتراضّية ، يتطلّب منهم الانضمام إلى جوقة ”الَّسحَرة” الذين ينامون مُطْمَئِنّين إلى سذاجة شعوب و دول العالم الهزيلة في السّياسة و الاقتصاد و التّنمية و الوطنيّة .
و في أثناء ذلك يصنع المتحكّمون بمصائر البشر الخلافات و الحروب المختلفة ، و التي أخطرها الحروب الدّاخليّة بين الشّعوب و حكوماتها الوطنيّة بعلّة قيام الثّورات ”الدّيموقراطيّة” في البلدان الضّعيفة ، من أجل إضعافها و إدخالها في المزيد من المشكلات التي ليس لها حلّ ، سوى بالتحاق هذه الشّعوب بمنظومات العالم التي تستثمرها ، بهدف المزيد من إخضاع و إذلال العالم الذي ينبغي أن يكون سوقاً ماليّة لرأس المال الماليّ الرّيعيّ العالميّ ، بغية صناعة إنسانيّة عاجزة عن أن ترتقي إلى مصافّ العقلانّية العمليّة التي بفضلها فقط يجري فحص خرافات السّياسة و العلوم التي تروّج للدّيموقراطيّة المعولمة .
6▪ و بالقدر نفسه الذي يوحي لمغسولي الأدمغة أنّ الحلول المختلفة لمشاكل و إشكاليّات التّنمية ، تكمن في ما يُسمّى بالدّيموقراطيّة ؛ يتصور هؤلاء الآلات المتخلّفة أنّ جميع حلول كلّ المشاكل و المصاعب و المحالات النّظريّة و العمليّة ، إنّما هي كامنة في الأنظمة ” الدّيموقراطيّة ” التي تعمل من ورائها قوى الاستبداد العالميّ على مسخ الشّعوب و الدّول و الأفراد إلى مخلوقات اعتبارّية أو افتراضيّة ، يجري التّحكّم بها ببعض المفردات الإسمّية التي لا يُمكن أن تتطابق مع مدلولاتها العملّية على أرض الواقع ..
و قد جرّبت تلك المفاهيم و كانت النّتائج العمليّة جملة من المآسي التي تتوالد بعضها من البعض الآخر في متوالّيات مركّبة و معقّدة تتجمّع فوق رؤوس أفراد الشّعوب الضعيفة ، من دون أن تقدّم أيّ حلّ لأّية مسألة تاريخيّة عالقة .
و على العكس ، فإنّه في ظلّ هراءات الدّيموقراطيّة و ما إليها ، فإنّ الدّول تُصاب ، بالجملة ، بالخضوع و الإذعان لمهندسي سياسات العالم ، فتفقد الدّولة ذاتها بذاتها في صراعات مفهوميّة هامشيّة تسمح للمستثمرين العالميين بوضع اليد ، و بحيازة كاملة ، على تلك الدّول بمن فيها من شعوب و أفراد و جماعات و اقتصادات و سياسات و أحلام .
و تفشي بقعة الظّلام و الظّلم تلك بموجب قاعدة حسابيّة بسيطة ، و لو أنّ أحداً لم يعتبرها بجدّيّة و وضوح ، و هي تحويل الصّراعات بين المجتمعات بدولها المفتوحة على الحيازة المتزايدة ، مع الدّول المغلقة بمجتمعاتها المهزومة ، و ذلك بتحويل الصّراع إلى صراع ”ثقافيّ” ، أيضاً ، تُنتج أفكاره في ”المركز” العالميّ ، و يكبر عليه الاشتغال الفارغ و المزّيف و العنيف في مجتمعات ”الأطراف” .
و بعد ذلك فإنّ الأهمّ يكون قد وقع ، و هو تحييد دول الأطراف وتحويلها إلى نَظّارة سلبيين إلى العالم ، في ما هم يقتتلون على ثقافات ”الآخر” تلك التي لا تعني شيئاً بالنّسبة إليه .
و من جديد تتكرّر هذه المأساة بنظر ”الثّقافة” ، فيتحوّل العنف ك بكل بساطة ، إلى المجتمعات المتخلّفة ، فتغدو أجراماً و هياكل فارغة ليس لها فضاء لتدور فيه ، فتنفلت من جاذبيّة العالم الواقعيّ إلى جاذبيّة المجاهيل السّياسيّة و الفيزيائيّة و الكونيّة بمستقبل عدميّ و مجهول .
7▪ فقط في لعبة ”الدّيموقراطيّة” تكون النّتائج كارثيّة على الدّول و المجتمعات الطّرفيّة في نظام العالَم ، بحيث أنّ التّهديد بالزّوال الوجوديّ يُصبح تهديداً عمليّاً في أوسع و أسرع عمليّة انقراض اجتماعيّ و اقتصاديّ و سياسيّ ، مؤسّسة على التّناحر العنفيّ في هذه ”الأمكنة” الّشاردة من جغرافيا العالم الفاعل و الفعليّ ، بحيث يؤول أمل الشّعوب في هذه الأماكن الجغرافّية في البحث عن مخلوقات أقلّ سوءاً و أقلّ جشعاً و أقلّ توحّشاً ، لتكون ممثِلةً لتلك الشّعوب في أقلّ السّوء الممكن و ليس في أفضل صفات ممثّليهم في الحكم .
هكذا تتراجع الأحلام يوماً بعد يومٍ لتصبح أحلاماً في مقاومة الفناء و ليست أحلاماً في صناعة المصير . و في هذه الأثناء تنمو و تتنامى تلك الطّبقة السّياسيّة التي أدركت وجودها في هذه الّلعبة الخطرة على الإنسان ، لتٌُبدع في وسائل استغلالها للأفراد و المجتمعات ، بوصفها المنقذ السّياسيّ الوحيد لأحلام الأفراد باستمرارهم ، على نحو ما ، و على أيّ نحو من الأنحاء .
8▪ إنّ الدّيموقراطيّة التي أصبحت شيئاً فشيئاً مقنترنة بالثّقافة ، لا بدّ لها من أن تُعيد تشكيل العالم الاجتماعيّ – السّياسيّ وفق منظورها الدّونيّ إلى مجتمعاتها ، في تواطئيّة تاريخيّة نادرة و قد أصبحت بالتّدريج عرفاً سياسيّاً يكون مجرّد التّفكير النّقديّ فيه شيئاً من قبيل تهشيم المقدّسات و احتقار المبجّلات السّياسيّة ، للمؤسّسات التي أتقنت دورها بوصفها أمراً واقعاً و وحيداً ربّما يختفي الواقع و العالم كلّه .. إذا ما هي اختفت أو تعرّضت للزّوال !
و لا مرَاءَ في أنّ العالم المعاصر الذي بدأ عصر عولمته منذ انهيار الاتّحاد السّوفييتيّ ، الذي يعتبره البعض نهاية مبكّرة للقرن العشرين ، قد تصدّر المنظر السّياسيّ العالميّ ، بوصفه عالم النّظام الدّيموقراطيّ الجديد الذي تجاوز الحداثة في المفاهيم و االمصطلحات ، بينما تجاوز حداثة ”الدّيموقراطيّة ” عمليّاً من دون شرح ظروف و معالم هذا التّجاوز ، بل و على العكس ، فإّنه يُبدي تقديسه للدّيموقراطيّة المنتصرة على واقع الحرب الباردة و زوال ما اخترعوا له إسم النّظام الشّموليّ الشّيوعيّ ( الاشتراكّي ) ؛ و هو بناء على هذه الألعوبة الإعلامّية الواسعة ، استطاع أن يتصدّر مشهد العالم السّياسيّ على أنّه النّظام الوحيد الممكن ، بدليل انتصاره على نقيضه التّاريخيّ المتمثّل بالاتّحاد السّوفييتيّ ، فتمكّن مع ذلك من بث دعايته الإغرائّية الهائلة و المثيرة ، على أنّه النّظام المنقذ للبشر من سطوة ما أسماه ”الشّموليّة الشّيوعيّة” ..
لم يتقدّم هذا النّظام ، على رغم واحديّته العالميّة ، إلّا بالجريمة و ”المكارثيّة” و العنف ، فيما صدّر كلّ ذلك على أنّه ”الدّيموقراطيّة” و التي لاقت لها أصداء أسطورّية في السّوق السّياسيّ العالميّ الهزيل .
فلسفيّاً ، نحن أمام ظاهرة تاريخيّة مركّبة تُسمّى ”الدّيموقراطيّة” ، غير أنّ النّقد النّظريّ السّياسيّ ، و العمليّ ، لهذه االظّاهرة ، سوف يأخذنا فلسفيّاً إلى “مشكلة” أخرى مرتبطة بها عضويّاً أشدّ الارتباط ، وهي مفهوم ”الحّريّة” ، و هو المفهوم الملازم للّديموقراطيّة بدون أدنى لَبْسٍ أو غموض ؛ غير أنّ الواقع يقدّم لنا الإثبات وراء الإثبات على زيف هذا الاصطلاح المفهوميّ ، و ذلك كنتيجة عن زيف المفهوم السّياسيّ المرتبط به .
● ثانياً – في الحرّيّة :
9▪ يحاجج البعض على أنّ مشكلة ”الحرّيّة” هي مشكلة أخلاقّية ، ثمّ يصمتُ عن باقي أبعاد هذه المشكلة .
وإذا كانت الفلسفة تستطيع إدماج ”الحرّيّة” و ”الدّيموقراطيّة” ، بوصف ”الحرّيّة” مشكلة سياسيّة تتّصل بالدّيموقراطيّة ، فإنّنا نستطيع ، إذاً ، مغالبة العِناد السّياسيّ في مضمونه و الذي يفضّل فصل المسألتين ، الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ، بعضهما عن البعض الآخر ، بصفة أنّ ”الفلسفة” تستطيع الرّبط بينهما من جانب” الأثر ” الوجوديّ لمضامين المصطلحات المفهوميّة ، كأثر سياسيّ و إنسانيّ ، و هو الحقل الواقعيّ للفلسفة أيّاً كانت منطلقاتها و مراميها و أغراضها الفكريّة .
و لعلّنا قبل أن نستبق هذا المنخرط الفلسفيّ ، نأتي بشيء جديد على ”الحرّيّة” نفسها بوصفها مشكلة سياسيّة أيضاً في الفكر السّياسيّ المعاصر و في الفلسفة السّياسيّة على التّحديد .
لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل مسألة أنّ الحرّيّة السّياسيّة هي إحدى نتائج تطبيقات الدّيموقراطيّة كمفهوم سياسيّ .
و مع أنّ مفهوم ”الحرّيّة” نفسه مفهوم غائمٌ لأنّه مفهوم بقدر ما هو واسع و حيويّ ، فإنّه بالقدر ذاته مفهوم من المفاهيم المشروطة بشدّة بجملة واسعة من الشّروط و الاعتبارات التي إذا حاولنا إحصاءها ، فإنّها لن تنتهي .
10▪ إنّ جوهر ”الحرّيّة” هو القدرة على الاختيار . و يبدو هذا التّعريف الأفضل من سواه للحّريّة كأنّه لا يقول شيئاً في السّياسة ، مع أنّ السّياسة كلّها قائمة على الاختيارات الاستراتيجّية الكبرى المرتبطة بمآل و مصير الدّول و المجتمعات .
عندما وعدتْنا الدّيموقراطيّة بوعودها الخلبية ، كان من أهمّ وعودها لنا أن نحكم أنفسنا بأنفسنا ، مباشرة أو بالتّمثيلات المختلفة و اختيار الحاكمين ؛ و هذا شكلٌ قصيويّ للحرّيّة ، فهل ثمّة تناقض ، عمليّاً ، بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ؟
2020-11-19