مبدأ التولّي في حضرة الواقع !
الشَموس العماد*
قال تعالى: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ”، خطة إلهية شاملة، وحجة راسخة تحدد مكانة الإسلام في نفوس المؤمنين، وهي البيّنة الباقية التي تركها الله تعالى لأمر الناس . إنها المادة القوية التي تُكسب الإنسان روحًا زكية وبصيرة نافذة، وتجعل مساره طريقًا مستقيمًا، وتُعزز عقيدته التي تجعل منه إنسانًا عزيزًا حرًا، تجعل للفر
المسلم أهداف سامية مرتبطة بغايات نبيلة في الدنيا، وتمكنه من التعايش النزيه المعمق بالقيم والأخلاق. إنها قضية غالبة في عظمتها أفلح من وعاها وسار عليها، وخاب وخُذل من فرَّط فيها .
في حجة الوداع، بينما كان سيد الخلق عائدًا من مكة إلى المدينة برفقة جموع الحجيج الذين أتوا من كل أنحاء الجزيرة العربية، نزل عليه أمر الله بقوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”، هنا اقترن أمر الولاية بإتمام تبليغ الرسالة، فوقف عليه الصلاة والسلام في منطقة الجحفة وفيها مايسمى”غدير خُم” وأمر من سبقه بالعودة إلى المدينة. ثم دعا الناس إلى صلاة الظهر تحت أشعة الشمس الساطعة، حينها دعى عليه الصلاة والسلام الإمام علي بن أبي طالب وصعد على أقتاب الإبل بعد أن أخبرهم بأن لديه بلاغًا مهمًا. فخطب فيهم قائلًا:”أيها الناس، لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، ثم قال بعد أن رفع يد الإمام علي عليه السلام :”أيها الناس، إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه. اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصُر من نصره، واخذُل من خذله”. وهكذا اكتمل الإسلام بإتمام التبليغ، وأدى رسول الله الأمانة، وبلّغ الحجة فقال ثلاثًا: اللهم فأبلغت اللهم فاشهد”، وأمر بتبليغ الشاهد منهم الغائب . فقد عُرف عليه السلام بدينه وتقواه وعلمه وشجاعته، فكيف يُتولَّى غيره؟!
وفي واقعنا اليوم، نرى كثيرًا ممن أعرضوا عن التولّي الحق، فتولَّوا اليهود والنصارى، الذين ضُرِبت عليهم الذلة والمسكنة، وهم أعداء الله ورسوله والدين. فصار حالهم مُزرِيًا، بل وصاروا أدواتٍ سهلةً لنشر السموم الثقافية الغربية في بلادهم، وساعدوا على مسخ هوية شبابهم واستعمار أوطانهم ونهب خيراتهم، لأنهم لم يكونوا في موقع التولّي الصحيح. انبهروا بكل ما يأتي من الغرب، ونسوا أن دينهم دين حضارة وعزة.
ومن أبرز الأدلة على خطورة التفريط في مبدأ التولّي ما نراه اليوم من تخاذلٍ وذلٍّ تجاه القضية الفلسطينية، وهو ذلٌّ لم يُسبق في تاريخ العرب. فهم يفتقرون إلى الشجاعة والحكمة التي يمنحها مبدأ التولّي، والتي تجعلهم منهم أحرارًا مقاوِمين. ففي التولّي تحقيقٌ للعزة والإباء والكرامة والقوة؛ لكنهم أعرضوا فكانوا تحت أقدام من ضُرِبت عليهم الذلة والمسكنة . وغزة كانت المثال الأبرز والفاضح على عواقب التنصُّل من هذا المبدأ الإلهي .
كذلك نرى في العالم العربي والإسلامي اليوم مفاسدَ وآثامًا وفوضى، حتى صار من الصعب التمييز بين الشابة المسلمة والغربية الكافرة. فهناك خللٌ فادح في التربية والتعليم والثقافة، وتشتت الأمة وتدجينها، حتى صار الفرد المسلم بلا هوية ولا عقيدة، ضالًّا قابلًا لكل إفساد، وقد يصل به الحال إلى أن يبيع ويشتري في وطنه وضد أبناء بلده، وربما قد يصل به الأمر إلى أن يكون يهوديًا بتوليه لهم . وهذه من أبشع النتائج التي قد يصل إليها الفرد العربي والمسلم حينما ابتعد عن منهج الله القويم .
لن ينجو واقع المسلمين إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتولّي من أمرنا الله بتوليهم. فهذه القضية ليست شعار مذهبي لأي طائفة، بل هي حقيقة تحدد المسار الصحيح للإسلام في حياة الفرد، لتكون حياته طيبةً مليئةً بالأمن والرفعة والعزة التي أرادها الله له. فمصدر العزة الحقيقي هو القرآن والسنة ومبدأ التولّي، وهي الركائز التي تُحيي الدين في سلوك المسلم وشعوره وقيمه؛ لتسري حياته في مسارها الصحيح .
اتحادكاتبات اليمن .
2025-06-15