ما جرى لإخوان السودان هل سيؤثر على إخوان تونس؟
علية العلاني*
ما حصل في السودان قبل البارحة في 4/8/2019 يبقى حدثا تاريخيا بامتياز، فقد تم التوقيع على اتفاقية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير لإرساء حكومة مدنية ديمقراطية تضع حدا لمسيرة ثلاثين سنة من حكم الإخوان المسلمين في السودان. تلك المسيرة التي تعاقب فيها على الحكم رموز الإسلاميين. وكلنا يعرف أن حركة النهضة في تونس اتخذت من دولة السودان ملجأ لها في تسعينات القرن العشرين.
لقد تأخر الربيع العربي في السودان إلى سنة 2019 فكان ربيعا استثنائيا عنوانُه الأبرز: نعم للدولة المدنية الديمقراطية ولا لدولة الإسلام السياسي.
بين إخوان تونس وإخوان السودان هل هناك تشابه في بعض الأدوار؟
عندما صعد الإسلاميون إلى الحكم في تونس سنة 2011 كانت ممارستهم تشبه إلى حد ما ممارسات نظام الحكم في السودان فقد عملوا على احتواء المؤسسة الأمنية في انتظار احتواء المؤسسة العسكرية التي استعصت عليهم ، وأطلقوا العنان لتكوين الجمعيات الخيرية والدعوية التي تورط البعض منها في تسفير مقاتلين تونسيين نحو سوريا والعراق وليبيا، وغضّوا الطرف عن الخيمات الدعوية العائدة بالنظر إلى أنصار الشريعة، لكن ذلك لم يسمح لهم بالسيطرة الكاملة على الحكم فقد استعصى عليهم تطبيق النموذج السوداني فابتدعوا إستراتيجية التوافق مع حزب نداء تونس الليبرالي لكن لم تستفد من هذه الإستراتيجية سوى حركة النهضة مما أجبر الرئيس السابق الباجي قايد السبسي على إنهاء التوافق السياسي مع النهضة في نوفمبر 2018 وأعلن في تصريحات عديدة أنه فشل في جرّ حركة النهضة إلى فضاء المدنيّة وكأنه يقول أنه من الصعب استمرار التحالف بين نمطين متضادين في الحكم.
لقد نزل سقوط حكم الإخوان في السودان نزول الصاعقة على حركة النهضة بتونس نظرا للعلاقة المتشابكة والمتينة بين الطرفين. ويُعتبر هذا السقوط رسالة إلى كل رموز تيار الإسلام السياسي في العالم العربي، من أن هذا التيار استنفد أغراضه وأن تجاربه في الحكم بدأت في السقوط الواحدة تلو الأخرى، ورسالة أيضا لكل تيار يحاول توظيف الدين في السياسة. ومما يؤكد العقلية الانقلابية للإسلاميين بالسودان أنه قبل أيام من توقيع الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير أجهض النظام الجديد للحكم في السودان محاولة انقلابية تورط فيها رموز الحركة الإسلامية الإخوانية في هذا البلد، وتورط فيها قائد أركان الجيش وتم اعتقال العديد من الضباط، وهذا ما يغذي فكرة وجود الأجهزة السرية لدي تنظيمات الإسلام السياسي في العالم العربي.
هل يمكن أن يسير إخوان تونس على خطى إخوان السودان؟
أعتقد أن حركة النهضة ستقرأ جيدا ما يحصل في السودان وليس أمامها سوي حلاّن:
الحل الأول، أن تُبادر في نص مكتوب وأفعال تثبت ذلك، بأنها تيار مدني ديمقراطي حداثي يرفض خلط الدين بالسياسة ويؤمن بكل مواثيق حقوق الإنسان الأممية وتوابعها. وبالحريات الفردية ومنها حقوق المرأة. وأمام الحركة قريبا موعد مؤتمرها الوطني القادم في 2020 لتصُوغ فيه لوائحها وخاصة أرضيتها الإيديولوجية وبرامجها السياسية وتتخلى عن خدعة فصل الدعوي عن السياسي وشعار “الإسلام الديمقراطي” الذي هو نسخة مشابهة للإسلام السياسي، لأن في ذلك استبلاه للمواطن والناخب والرأي العام. فالأغلبية الساحقة من الشعب التونسي مسلمة ولا تقبل بتوظيف المقدس في الصراعات السياسية. ولكي تتمكن حركة النهضة من إحداث هذه التغييرات الضرورية عليها أن تكتفي بتواجدها في البرلمان مدة من الزمن وتتفرغ كليا لتجسيم الإصلاحات المذكورة.
الحل الثاني، أن تتمادى حركة النهضة في الخطاب المزدوج والتلاعب بالمفاهيم فتكون نهايتها حينذاك غير بعيدة عن نهاية إخوان السودان، والعاقل من اتعظ بغيره.
. أكاديمي وباحث في القضايا الاستراتيجية
2019-08-07