ما بين المحكوم والحاكم , وتقديس المظلوم للظالم!
بقلم / عنان بدر.
في أغلب أنظمة العالم الثالث وتحديداً الأنظمة العربية، لا تكتفي السلطة الحاكمة بالسيطرة المطلقة على الشعب عبر الأدوات الأمنية أو الاقتصادية فقط، بل تسعى إلى إعادة إنتاج ذاتها بوصفها سلطة دينية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها او حتى إنتقادها, فالحاكم هنا لا يُقدَّم كموظف عام أو ممثل سياسي، بل كوليّ أمر وقدر تاريخي بل واختيار إلهي تتجسد فيه الضرورة الشرعية والمطلقة لحفظ الوطن. وبهذا المفهوم، تصبح معارضة الحاكم أو انتقاد سياساته ليست مجرد موقف سياسي، بل خروجًا أخلاقيًا أو دينيًا تطير عقول العامة له.
ولكي يستطيع الحاكم -الذي يحكم بطريقة غير شرعية على الأغلب- أن يعمم قدسيته عن الشعب فهنا يأتي دور الإعلام الذي بدلاً من ان ينقل الواقع يقوم بإعادة تشكيله بطريقة تنتهي دائماً لنفس النتيجة، ألا وهي تقديس الحاكم الذي لا يتصرف إلا بما فيه خير البلاد والعباد. ومع كثرة التشويش والخداع والتكرار يبدأ المواطن المسكين يسلم بأن حقوقه الأساسية ليست إلا مكرمات من الحاكم المنزه عن الخطأ.
ولذلك تجد بأن المسؤولين في تلك الأنظمة على إختلاف دولهم، دائماً ما يطبلوا ويهللوا للحاكم في اي مقابلة أو تصريح. فله الحمد وله الشكر على أبسط الحقوق، واي حقوق أفضل من أننا لم نقتل او لم نصل حد الجوع والتشرد؟
ولكي تتعمق قدسية الحاكم في وعي الشعوب المقهورة فإنه يتم محاصرتهم بصور القائد الملهم, يحاصر الطلاب في المدرسة بصور القائد الملهم، والموظف في الدوائر الحكومية، والقاضي في المحكمة وحتى في الشوارع والأسواق حتى تحول تعليق صورة القائد المنقذ الى أداة من ادواة التملق والوصول بينما تقدم على انها قمة الوطنية. فتعليق صورة القائد هي تعليق لصورة الوطن بعد ان تم إختزال وطن بأكمله في صورة قائد لا يرى في هذا الوطن سوى مزرعته الخاصة التي يعيش فيها كما يشاء.
ولأجل تعميق هذه الصورة النمطية – القائد الوطن- فإن الإعلام يوظف عدة آليات مثل الخطاب التكراري حيث يتم تكرار مفردات مثل الفتنة، الفوضى، المؤامرة، الخطر الخارجي وبالتالي خلق شعور دائم بالتهديد كي يظهر الحاكم بمظهر “البطل” الذي يحافظ على الوطن من كل تلك التهديدات.
كما يعتمد الإعلام على الشخصنة المطلقة فتنسب كل الإنجازات للحاكم شخصيًا. وتفصل الإخفاقات عنه وعن النظام وتنسب للأعداء أو الشعب الجاهل الذي لا يستحق في كثير من الأحيان هذا القائد الفذ.
وكمحصلة لما سبق فإن الإقصاء هو النتيجة الحتمية لأي صوت معارض او ناقد، فيتم تصوير المعارض كعدو للوطن وبأنه صاحب اجندات خارجية. ويتم تحويل أي نقاش سياسي إلى معركة أخلاقية يتم مهاجمة شخص المعارض بل وإغتياله معنويا.
الى جانب الإعلام فإنه يتم توظيف الدين بعد تحويله من منظومة قيم إلى أداة طاعة وضبط اجتماعي، فيقوم كهنة المعبد بإنتزاع الدين من مقاصده الأخلاقية والعدلية، ويُعاد تقديمه كمنظومة طاعة مطلقة تخدم الحاكم وإن كان فاسداً او ظالماً. فيتم استبدال الصبر بدل العدل والطاعة بدل المحاسبة.
ولأجل ذلك يتم التلاعب بمعاني الآيات ومقاصدها ليتم اقتطاع بعضها وتقديمه بالصورة التي تخدم الحاكم كقوله تعالى في الآية 59 في سورة النساء
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ )
هنا يُقدَّم تفسير انتقائي للآية، يقوم على ثلاث مغالطات رئيسية بحيث يتم فصل الطاعة عن شروطها ويتم تجاهل حقيقة ان الطاعة مشروطة وغير مطلقة بل ومرتبطة بالعدل وعدم معصية الله.
ثم أن الآية تقدم طاعة الحاكم بطريقة تساوي الله والرسول بطريقة ضمنية رغم ان نص الآية الكريمة أعاد فعل الطاعة مع الله والرسول ولم يعده مع اولي الأمر. فقد ذكرت الآية حرفياً “اطيعوا الله” و “أطيعوا الرسول” ومن ثم عطفت اولي الأمر مشترطةً بذلك على اولي الأمر طاعة الله والرسول كي يستحقوا بذلك الطاعة.
وربما لم يكن من باب الصدفة ان يقوم “كهنة المعبد” بإغفال بقية الآية الكريمة التي تحدد العلاقة بين ولي الأمر وعموم المسلمين حيث قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59))
إن إغفال تكلمة الآية لم تأتي من باب الصدفة بل من باب تغييب المعنى الحقيقي للآية لكي تكتمل عملية الخداع وتزييف الوعي بما يخدم الحاكم في هذا البلد او ذاك كي يصل بشعبه الى طاعة غير مشروطة من خلال سلطة غير قابلة للمساءلة.
ولربما يصعب الحديث عن هذا الموضوع دون الوقوف عند حديث «وإن جلد ظهرك» هذا الحديث الذي يستخدم كأداة رئيسية لحث الشعوب على قبول الظلم دون اي إعتراض.
إن تكرار هذا الحديث باستمرار في الخطب والبرامج الدينية الرسمية، دون مناقشة سياقه الذي في حقيقة أمره يعني عليك الطاعة وإن جلد ظهرك بحق وإن اخذ مالك بحق، فالإسلام الذي امر المسلم بالدفاع عن ماله وحقه ووعده بالشهادة في حال موته في سبيل ذلك لا يمكن أن يطلق يد الحاكم في غير ما هو حق وظلم. والنبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن ان يأمرنا بأن نطيع ظالماً وجوهر دعوته العدل والحق، وذاك التفسير السقيم يتنافى كلياً مع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولمن اراد ان يستزيد فقد فَصَل في شرح ذلك الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله.
إن هذه النصوص الدينية التي يتم إخراجها عن سياقها على يد “كهنة المعبد” إنما تجعل من الظلم قدراً دينياً بدل من حقيقة كونه فعلاً سياسياً، وتحول الصبر الى خنوع يشل ارادة الشعوب الجماعية عن اي احتجاج تصفه بالخروج على الحاكم او أي اعتراض فتسميه فتنة. وتكرار هذه النصوص بتفسيراتها المغلوطة لا يمكن ان يكون وعظاً وإنما برمجة نفسية للكبير والصغير.
إن إختزال الوطن في الحاكم عبر الدين والإعلام يجعل منه شخص غير قابل للإنتقاد ويحيطه بهالة اقرب ما تكون للقدسية والألوهية. فسقوط الحاكم يعني فوضى دينية ووطنية والإعتراض عليه يهدد السلم الأهلي والعقيدة وبالتالي لا بد من عزل اي معارض اجتماعياً بل وتخوينه وتجريمه حيث انه مس بقدسية الحاكم، وتصبح سب الذات الذات الإلهية أهون كثيراً على الأسماع من سب هذا الحاكم أو ذاك.
ولعل الجهد الجبار الذي تقوم فيه المؤسسة الإعلامية ورجال الدين يترك أثر نفسي على الجماهير تتعطل في ضمائرهم النقدية، لأن مجرد السؤال عن اخطاء الحاكم تصبح ذنباً وبالتالي يتم انتاج مواطن مطيع غير فاعل يخشى من التفكير ويعيش في حالة رعب دائم من عصاة الحاكم الغليظة المتمثلة بأجهزته الأمنية.
ختاماً فإن توظيف الإعلام والدين في خدمة الحاكم ليس انحرافًا عفويًا، بل استراتيجية تهدف الى ضبط الشعوب من خلال تقديس الحاكم وتحريف النصوص وتجريم النقد والمعارضة وتحويل الطاعة إلى عقيدة وبذلك لا يُقمع المجتمع بالقوة فقط، بل يتم تزييف وعيه ليُعاد تشكيله ليُبرّر قمعه لأي معارضة بنفسه.
2026-01-27